كيف استدرجت إسرائيل الولايات المتحدة إلى المستنقع الإيراني

محمد عبد الكريم يوسف

الملخص
يتناول هذا البحث الإستراتيجية الإسرائيلية الممنهجة التي استمرت لعقود بهدف جر الولايات المتحدة إلى
مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وتحويل الصراع الإقليمي من مواجهة إسرائيلية-إيرانية إلى حرب
أمريكية-إسرائيلية مشتركة. ينطلق البحث من فرضية أن إسرائيل اتبعت سياسة متعمدة ومنسقة تمثلت في
إنتاج معلومات استخباراتية مضللة، وعرقلة المبادرات الدبلوماسية، واستغلال نقاط الضعف السياسية
الأمريكية، وتوظيف جماعات الضغط والنفوذ، بهدف تقييد الخيارات الاستراتيجية لواشنطن ودفعها نحو
مواجهة لا تخدم مصالحها المعلنة. يعتمد البحث منهجاً تحليلياً تاريخياً يستعرض الأدبيات الأكاديمية،
والتقارير الاستقصائية، والوثائق المسربة، وتحليلات الخبراء، ويتتبع مسار التصعيد من الهجوم على
السفارة الإيرانية في دمشق (أبريل 2024) إلى حرب الـ12 يوماً (يونيو 2025) ثم الحرب الأمريكية-
الإسرائيلية الشاملة (فبراير 2026). يخلص البحث إلى أن إسرائيل نجحت في استدراج الولايات المتحدة
إلى “مستنقع إيراني” عبر آلية “فخ التصعيد” (Escalation Trap) التي تجعل الانسحاب الأمريكي
مستحيلاً سياسياً، وأن هذه الإستراتيجية استندت إلى رؤية إستراتيجية تعود إلى وثيقة “الانقطاع النظيف”
(Clean Break) الصادرة عام 1996. ويوصي البحث بضرورة إعادة النظر في طبيعة التحالف
الأمريكي-الإسرائيلي، ووضع آليات تحول دون استخدام إسرائيل للقوة العسكرية الأمريكية لخدمة
أجنداتها الخاصة.

مقدمة
شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية تحولاً جذرياً في الفترة بين 2024 و2026، انتقلت من المفاوضات
الدبلوماسية إلى حرب شاملة غير مسبوقة. غير أن هذا التحول لم يكن نتيجة حتمية لتطورات موضوعية،
بل كان ثمرة جهود إسرائيلية ممنهجة استمرت لعقود بهدف جر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية
مع إيران. فما بدأ بهجوم إسرائيلي على السفارة الإيرانية في دمشق في 1 أبريل 2024، سرعان ما
تحول إلى “جحيم إقليمي”، ليكشف عن حقيقة مفادها أن “الولايات المتحدة لم تعد الفاعل الرئيسي في
الشرق الأوسط، بل أصبحت متغيراً في المعادلة الجيوسياسية التي تكتبها إسرائيل”.
تتضاعف أهمية هذا البحث في كونه يحاول تفكيك الآليات الخفية التي استخدمتها إسرائيل لاستدراج
الولايات المتحدة إلى المستنقع الإيراني، وكشف الأبعاد الإستراتيجية والتاريخية لهذه العملية التي امتدت
لأكثر من خمسة عقود. فهذه القضية ليست مجرد حلقة عابرة في الصراع الشرق أوسطي، بل تمثل

نموذجاً معاصراً لكيفية تمكن دولة صغيرة من توجيه سياسات دولة عظمى نحو مسار يتعارض مع
مصالحها المعلنة، مستغلة في ذلك نقاط الضعف السياسية والمؤسسية في النظام الأمريكي.
ينقسم البحث إلى خمسة محاور رئيسية: يستعرض الأول الجذور الإستراتيجية والتاريخية للسياسة
الإسرائيلية تجاه إيران، ويتناول الثاني آليات الاستدراج والوسائل الممنهجة التي استخدمتها إسرائيل،
ويركز الثالث على التصعيد المتدرج كآلية لتقييد الخيارات الأمريكية، ويحلل الرابع الفخاخ الإستراتيجية
التي أوقعت الولايات المتحدة فيها، ويختتم بخامس يناقش تداعيات الاستدراج على المصالح الأمريكية
والإقليمية، ويقدم رؤية نقدية لمستقبل التحالف.

أولاً: الجذور الإستراتيجية والتاريخية: من “الانقطاع النظيف” إلى المواجهة
1.1 وثيقة “الانقطاع النظيف” (Clean Break) 1996
تعود الجذور الإستراتيجية للسياسة الإسرائيلية الحالية إلى وثيقة صادرة عن معهد أبحاث إسرائيلي عام
1996، حملت عنوان “الانقطاع النظيف: إستراتيجية جديدة لتأمين المملكة” (A Clean Break: A
New Strategy for Securing the Realm)، وأعدت لحكومة بنيامين نتنياهو المقبلة.
رفضت هذه الوثيقة مبدأ “الأرض مقابل السلام” القائم على قرارات مجلس الأمن، ودعت بدلاً من ذلك
إلى نهج أكثر عدوانية، تضمن الإطاحة بصدام حسين في العراق، واحتواء سوريا ولبنان، وصياغة
المشاكل الأمنية الإسرائيلية بلغة يفهمها الجمهور الأمريكي، تقوم على “السلام من خلال القوة” والقيم
الغربية. وقد أدرجت الوثيقة بوضوح العراق وسوريا ولبنان وإيران في قائمة الأهداف التي ينبغي
إضعافها، إن لم نقل إسقاط أنظمتها.
واللافت أن هذه الوثيقة دعت إلى إستراتيجية تقوم على “الاعتماد على الذات” وعدم الحاجة إلى القوات
الأمريكية للدفاع عن إسرائيل، غير أن التاريخ أظهر عكس ذلك تماماً. فما قامت به إسرائيل لاحقاً كان
استدراجاً ممنهجاً للولايات المتحدة لخوض حروبها نيابة عنها، في تناقض صارخ مع روح الوثيقة التي
روجت للاستقلالية الإستراتيجية.
1.2 عقدان من عرقلة الدبلوماسية
تشير الأدلة إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، غالباً بدعم من عناصر داخل المؤسسة الأمنية في
البلاد، سعت مراراً وتكراراً إلى عرقلة الجهود الرامية إلى إنهاء الصراعات الإقليمية أو محاولات إدارة
التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم تنوع الأساليب – من العمليات الاستخباراتية والدبلوماسية
العامة إلى أنشطة الضغط والضغوط السياسية – فقد ظل الهدف الإستراتيجي ثابتاً: الحفاظ على حالة
المواجهة بين واشنطن وطهران، مع معارضة المبادرات الدبلوماسية التي قد تضعف نفوذ إسرائيل في
تشكيل سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط.

وقد عبر نتنياهو عن هذه الرؤية بوضوح في خطابه أمام الأمم المتحدة عام 2012، عندما رفع لوحة
رسم عليها قنبلة ليوضح مدى قرب إيران من امتلاك القنبلة النووية، في مشهد درامي جسد عقوداً من
الترويج لفكرة “الخطر الوجودي” الإيراني. واستمر هذا الترويج رغم التناقضات في التقديرات
الاستخباراتية الأمريكية، حيث أعلنت رئيسة الاستخبارات الأمريكية تولسي غابارد في شهادتها أمام
مجلس الشيوخ عام 2025 أن إيران لا تبني سلاحاً نووياً وأن المرشد الأعلى لم يأذن بإعادة تشغيل
البرنامج المعلق منذ 2003، غير أن الرئيس ترامب رفض هذه الشهادة علناً وقال إنه “لا يهتم بما قالته”
محاذياً خطاب نتنياهو.
1.3 بناء “الإجماع” الأمريكي
على مدى عقود، عملت إسرائيل على بناء “إجماع” في واشنطن حول ضرورة المواجهة مع إيران. وقد
استثمر نتنياهو أكثر من 30 عاماً في الدعوة إلى عمل عسكري أمريكي ضد البرنامج النووي الإيراني
من خلال بنائه بوصفه تهديداً وجودياً لإسرائيل. كما حرص على بناء صورة لنفسه بصفته القائد
الإسرائيلي الوحيد القادر على التأثير على الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين، والإصرار على أن الضغط
العسكري المستمر وحده هو القادر على كبح جماح طهران.
وقد أشارت دراسة أكاديمية إلى أن المبررات الأمريكية للحرب – الطموحات النووية الإيرانية، والقدرات
الصاروخية، والتهديدات بالوكالة – “تتطابق مع المصالح الأمنية الإسرائيلية أكثر مما تتطابق مع المصالح
الأمنية الأمريكية”. وهذا التطابق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج عقود من العمل السياسي والدعائي
الممنهج.

ثانياً: آليات الاستدراج: كيف جرت إسرائيل واشنطن إلى المستنقع؟
2.1 إستراتيجية “الربط” (Bundling Strategy)
وصف المحللون الإستراتيجية الإسرائيلية بأنها “إستراتيجية ربط” (Bundling Strategy) تقوم على
ثلاث ركائز أساسية: المشاركة الاستخباراتية، والترويج الإعلامي، ونقل المخاطر. وتهدف هذه الركائز
مجتمعة إلى “دفع الولايات المتحدة تدريجياً إلى مقدمة الحرب على إيران، مما يجعل من المستحيل على
الولايات المتحدة البقاء على الحياد”.
أولاً: المشاركة الاستخباراتية: لعبت المعلومات الاستخباراتية التي رفعت عنها السرية دوراً محورياً في
تشكيل الموقف الأمريكي. فإسرائيل وفرت لواشنطن تقييمات استخباراتية عن قدرات إيران النووية
والصاروخية، مما ساهم في خلق شعور بالخطر الوشيك. وقد أشارت تقارير إلى أن نتنياهو كان يخطط
لتقديم تقييمات استخباراتية لترامب حول إعادة إيران بناء برنامجها الباليستي، بهدف إقناعه بدعم ضربات
“استباقية” مباشرة ضد المنشآت النووية الإيرانية.

ثانياً: الترويج الإعلامي: وظفت إيران جماعات الضغط والنفوذ في واشنطن، وعلى رأسها اللجنة
الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC)، لترسيخ صورة إيران كتهديد وجودي لا يمكن التعامل
معه إلا بالقوة العسكرية. وقد لعبت هذه الجماعات دوراً حاسماً في “تأجيج الحرب” ودفع الإدارة
الأمريكية نحو خيارات لم تكن تنوي اتخاذها.
ثالثاً: نقل المخاطر: من خلال سلسلة من الإجراءات التصعيدية المحسوبة، تمكنت إسرائيل من نقل
المخاطر العسكرية والدبلوماسية إلى الولايات المتحدة، بحيث أصبحت واشنطن هي التي تتحمل العبء
الأكبر في المواجهة مع إيران.
2.2 توظيف نقاط الضعف السياسية الأمريكية
استغلت إسرائيل نقاط الضعف السياسية في النظام الأمريكي بمهارة فائقة. ففي كل مرحلة من مراحل
التصعيد، كانت إسرائيل تختار توقيتها بدقة لاستغلال الفترات الانتقالية أو الانقسامات الداخلية في
واشنطن.
وتكشف واقعة كشفها وزير الخارجية الأمريكي (ثم تراجعه عنها) عن حجم التورط الإسرائيلي: ففي 2
مارس 2026، سألت صحفية وزير الخارجية الأمريكي: من اتخذ قرار الحرب ضد إيران؛ أمريكا أم
إسرائيل؟ فأجاب: “إن إسرائيل هي من اتخذت القرار وأصرت عليه فاضطرت واشنطن لدخول الحرب
معها لأن الرد الإيراني كان سيضر قواعدنا!” وفي اليوم التالي، تراجع الوزير عما قاله بعدما كشفت
الصحفية توريطه. هذه الواقعة تلخص حالة “الحرج والتضارب والغضب في أمريكا” بسبب تفضيل
ترامب “مصالح إسرائيل أولاً” على شعاره الانتخابي “أمريكا أولاً”.
2.3 “فخ التصعيد” (Escalation Trap)
يشير مفهوم “فخ التصعيد” إلى الآلية التي تمكنت من خلالها إسرائيل من تقييد الخيارات الأمريكية. فقد
أوجدت إسرائيل وضعاً أصبح فيه أي انسحاب أمريكي أو تخفيف للتصعيد يعني “التخلي عن إسرائيل”،
وهو أمر لا تستطيع الولايات المتحدة تحمله سياسياً.
وقد أوضح تحليل أكاديمي أن “التصعيد المتصاعد ليس فوضى؛ بل هو آلية إسرائيلية مخططة لضمان
أن الولايات المتحدة لا تستطيع المغادرة، ولا تستطيع التفاوض، ولا تستطيع تخفيف التصعيد دون أن
تبدو وكأنها تتخلى عن إسرائيل”. وهذه الآلية تجعل الولايات المتحدة “أسيرة” لخيارات إسرائيل،
وتدفعها نحو مواجهة شاملة لم تكن تنوي خوضها.
وقد لخصت إحدى الدراسات هذه الديناميكية بقولها إن “إستراتيجية إسرائيل تحد عمداً من الخيار
الإستراتيجي لواشنطن، مما يجبر الولايات المتحدة على وقف بين التصعيد والإذلال”.

ثالثاً: التصعيد المتدرج: من دمشق 2024 إلى الحرب الشاملة 2026

3.1 الهجوم على السفارة الإيرانية في دمشق (1 أبريل 2024)
يمثل الهجوم الإسرائيلي على السفارة الإيرانية في دمشق في 1 أبريل 2024 نقطة التحول في مسار
الصراع. فقد كان هذا الهجوم، الذي يُعتبر انتهاكاً للسيادة و”عملاً حربياً” بامتياز، محسوباً بدقة لإجبار
إيران على الرد، وبالتالي إجبار الولايات المتحدة على الدفاع عن إسرائيل.
فقد أيقنت إسرائيل أن الرد الإيراني أمراً حتمياً، وأن الولايات المتحدة – باعتبارها حليفاً رئيسياً لإسرائيل

  • ستضطر للتدخل للدفاع عنها. وهذا ما حدث فعلاً: ففي 13 أبريل 2024، شنت إيران هجوماً انتقامياً،
    وتحركت الولايات المتحدة للدفاع عن إسرائيل. وهكذا، “كانت تل أبيب هي القائدة، وواشنطن هي
    التابعة”.
    3.2 حرب الـ12 يوماً (يونيو 2025)
    في 13 يونيو 2025، شنت إسرائيل هجوماً عسكرياً غير مبرر على إيران، استهدف أكثر من 100
    هدف، بما في ذلك قواعد عسكرية ومنشآت نووية وكبار القادة. وقد قُتل في الهجوم رئيس أركان الجيش
    الإيراني، وقائد الحرس الثوري، والعديد من أعضاء البرنامج النووي. وجاء هذا الهجوم قبل يومين فقط
    من استئناف الجولة السادسة من المفاوضات النووية الأمريكية-الإيرانية.
    وقد أقرت الولايات المتحدة بأنها كانت على علم مسبق بالضربة، وأن الرئيس ترامب أشاد علناً
    بالضربات ووصفها بأنها “ناجحة” وقال إن الولايات المتحدة “تعرف كل شيء” عن العملية. وقد أدى هذا
    الهجوم إلى اندلاع حرب استمرت 12 يوماً، شاركت فيها الولايات المتحدة بقصف ثلاثة مواقع نووية
    إيرانية، قبل أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار برعاية أمريكية في 24 يونيو.
    3.3 الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الشاملة (فبراير 2026)
    في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران في عمليتين
    عسكريتين حملتا اسمي “Epic Fury” و”Roaring Lion”. وقد أعلن الرئيس ترامب أن هدف هذه
    الحرب “الواسعة النطاق والمستمرة” ليس أقل من تغيير النظام في إيران. وقد أسفر الهجوم عن مقتل
    المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والعديد من القادة المحتملين الآخرين.
    غير أن الحرب سرعان ما تحولت من “حرب خاطفة” إلى “حرب استنزاف”. فقد نجحت إيران إلى حد
    ما في امتصاص الضربة الأولى، وإحداث توازن معقول، والضغط بعدد من الأوراق، مما أربك حسابات
    واشنطن وإسرائيل وأجبرهما على تغييرات تكتيكية. والأهم من ذلك، أن إيران أغلقت مضيق هرمز فعلياً
    وهاجمت البنية التحتية للنفط والغاز في الدول المجاورة، مما عرّض الاقتصاد العالمي للخطر.
    3.4 نمط متكرر: تخريب الدبلوماسية في كل فرصة
    كشفت الوقائع عن نمط متكرر في السلوك الإسرائيلي: في كل مرة كانت فيها المفاوضات بين الولايات
    المتحدة وإيران تقترب من اتفاق سلام، كانت إسرائيل تشن هجوماً لتخريبها. ففي عام 2025، عندما
    كانت الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران على وشك التوصل إلى اتفاق سلام، تعرضت للخطر

بسبب هجوم إسرائيلي غير مبرر. وقد وصف المحللون هذا بأنه “تحرك استراتيجي متكرر حيث يتم
حجب فرص التهدئة والانسحاب عمداً لإجبار واشنطن على المواجهة”.
وكما لاحظ أحد المحللين، “لم يكن فشل المفاوضات، حيث تم الإبلاغ عن تقدم كبير قبل أيام. بل كان
تحركاً استراتيجياً متكرراً”. وهذا التوقيت الدقيق يعكس تخطيطاً مسبقاً يهدف إلى إفشال أي حل
دبلوماسي قد يخرج إيران من دائرة العزلة الاستراتيجية التي ترى إسرائيل أنها ضرورية لضمان أمنها.

رابعاً: الفخاخ الإستراتيجية: كيف أوقعت إسرائيل الولايات المتحدة؟
4.1 فخ “الحليف المتمرد”
أحدثت إسرائيل سابقة خطيرة تمثلت في إجبار حليفها الأقوى على خوض حرب لم يكن يرغب فيها. فمن
خلال سلسلة من الإجراءات الأحادية الجانب والمحسوبة، تمكنت إسرائيل من “اختطاف” الأصول
العسكرية الأمريكية، وتحويلها من أداة لتحقيق الاستقرار إلى أداة لخدمة الأجندة الإسرائيلية.
وقد تجلى هذا بوضوح في الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025. فبينما حلقت الطائرات
الإسرائيلية دون معارضة عبر الأجواء الأردنية والسعودية والقطرية، ظل نظام الدفاع الجوي المتكامل،
المصمم لحماية الأجواء الخليجية وتشغله القيادة المركزية الأمريكية من الأراضي القطرية، صامتاً بشكل
لافت. وقد اعترف البيت الأبيض بأن الهجوم “لا يقدم أهدافاً أمريكية”، لكنه في الوقت نفسه أقر بشرعيته.
وقد علق رئيس الوزراء القطري بحسرة: “لقد خُنا”.
وهكذا، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف لا تستطيع فيه لا الدفاع عن مضيفها قطر ولا إدانة ما
وصفه البعض بـ”الوحش الذي صنعته”. وقد أشارت الرسالة بوضوح إلى أن الغرض الأساسي من
القواعد الأمريكية في دول مجلس التعاون الخليجي هو خدمة المصالح الإسرائيلية أولاً.
4.2 فخ “الانتقام الإيراني”
من أهم الآليات التي استخدمتها إسرائيل هي إجبار إيران على الرد. فمن خلال شن هجمات على أهداف
إيرانية، كانت إسرائيل تدرك أن إيران سترد حتماً، وأن هذا الرد سيجبر الولايات المتحدة على التدخل
للدفاع عن إسرائيل أو لحماية قواعدها العسكرية في المنطقة.
وقد أشارت دراسة أكاديمية إلى أن “سقف التصعيد الإسرائيلي قد انخفض مع افتراضها استمرار الدعم
الأمريكي، بينما زادت حوافز إيران للسعي نحو الانفجار النووي”. وهذا يعني أن إسرائيل أصبحت أكثر
جرأة في تصعيدها، وإيران أصبحت أكثر يأساً، مما يزيد من احتمالية نشوب حرب أوسع.
4.3 فخ “نقل التكاليف”

مع تزايد تورط الولايات المتحدة في الحرب، تمكنت إسرائيل من نقل التكاليف – العسكرية والدبلوماسية
والاقتصادية – إلى واشنطن، مع تقليص تعرضها هي نفسها تدريجياً. فبينما كانت القوات الأمريكية
تمتص الجزء الأكبر من الضربات الإيرانية، كانت إسرائيل تتراجع إلى الخلف، تاركة للولايات المتحدة
وحدها عبء إدارة الحرب والخروج منها.
وقد أشارت تقديرات غربية إلى أن ترمب كان يبحث بالفعل عن مخرج من الحرب ويطلق تصريحات
تمهد لذلك، مثل قوله إنه لم يعد يوجد تهديد إيراني. غير أن “فخ التصعيد” الذي أوقعته فيه إسرائيل جعل
الخروج أكثر صعوبة مما توقع.
4.4 فخ “الشراكة غير المتكافئة”
كشفت الحرب عن فجوة عميقة بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية. فبينما كانت واشنطن تفضل احتواء
إيران وتعديل سلوكها، كانت إسرائيل تسعى إلى الانهيار الكامل واختلال وظائف الدولة الإيرانية، على
غرار ما حدث في العراق في الماضي القريب.
وقد أوضح تحليل أن “إسرائيل تفضل إيران فقدت وظائفها وتستغرق وقتاً طويلاً للتعافي، على غرار ما
حدث في العراق في الماضي القريب”. وهذا الهدف المتطرف يتعارض مع المصالح الأمريكية المعلنة،
التي كانت مستعدة لقبول “إعادة تموضع” لإيران من خلال تغيير في السلوك، وليس انهياراً كاملاً للدولة.
غير أن التطورات على الأرض سارت في اتجاه مختلف، ومع مرور الأيام، أصبحت الولايات المتحدة
مضطرة بشكل متزايد للاقتراب من الخطة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً، لأن التراجع أصبح صعباً، وإبقاء
الحرب محدودة أصبح أيضاً أكثر صعوبة.

خامساً: تداعيات الاستدراج: أمريكا في المستنقع الإيراني
5.1 تحول الحرب من خاطفة إلى استنزاف
كان الرهان الأمريكي-الإسرائيلي على أن إيران ستكون أكثر هشاشة أمام القوة الساحقة والتفوق
التكنولوجي والسيادة الجوية. غير أن هذا الرهان فشل. فبدلاً من الانهيار السريع، تحولت الحرب من
حرب خاطفة إلى حرب استنزاف، وأصبح من الصعب تحديد متى تنتهي وعند أي نتيجة.
وقد اعترف المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) بوجود إنجازات عسكرية، لكنه لاحظ في
الوقت نفسه غياب إستراتيجية خروج لكل من أمريكا وإسرائيل من المستنقع الإيراني.
5.2 الخسائر الاقتصادية والجيوسياسية

تكبدت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج خسائر فادحة من الحرب. فقد أغلقت إيران مضيق هرمز،
وهاجمت البنية التحتية للنفط والغاز في الدول المجاورة، مما عرّض الاقتصاد العالمي للخطر. كما أن
التكلفة العالمية للحرب كانت أعلى بكثير مما كان متوقعاً.
والأكثر إيلاماً لواشنطن، أن الهيمنة الأمريكية في المنطقة تلقت ضربة قاسية. فبدلاً من أن تكون القوة
العظمى المانحة للاستقرار، تحولت الولايات المتحدة إلى طرف متحارب في صراع إقليمي، مما أضعف
مكانتها وأضر بعلاقاتها مع حلفائها التقليديين في الخليج.
5.3 الانقسامات الداخلية الأمريكية
أثار توريط ترامب لأمريكا في الحرب انقسامات داخلية عميقة، خاصة داخل الحزب الجمهوري والتيار
الداعم له (MAGA). فبينما كان شعار ترامب الانتخابي “أمريكا أولاً” ومعارضة الدخول في حروب
جديدة، جاءت أفعاله لتخدم “إسرائيل أولاً”.
وقد هاجم العديد من أنصار ترمب رئيسهم بسبب توريطه أمريكا في الهجوم على إيران لخدمة الأجندة
الإسرائيلية، وتزايدت الانقسامات داخل التيار والحزب الجمهوري. حتى أن بعض المحللين الأمريكيين
تساءلوا عما فعله نتنياهو لإرغام ترامب على خوض حرب أضرت بالمنطقة العربية كلها والعالم،
واقترحوا أنه ربما هدده بملفات فضائح.
5.4 “ذيل يهز الكلب”: إعادة تعريف التحالف
لخص العديد من المحللين الديناميكية الجديدة للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي بعبارة “ذيل يهز
الكلب” (The Tail That Wags the Dog). فبدلاً من أن تكون إسرائيل هي التابع والولايات
المتحدة هي القائد، انعكست الأدوار: أصبحت إسرائيل هي التي تحدد الأجندة، والولايات المتحدة هي التي
توفر الوسائل.
وقد خلصت إحدى الدراسات الأكاديمية إلى أن الحرب على إيران هي حالة من “التشابك التحالفي”
(Alliance Entanglement)، حيث كانت إسرائيل (والسعودية) سبباً رئيسياً (but-for
cause) في اتخاذ الولايات المتحدة قرار العمل العسكري ضد إيران. وهذا التشابك جعل الولايات
المتحدة “مضطرة لتوريط نفسها في الحرب بسبب تحالفاتها المتشابكة مع إسرائيل”.

خاتمة
خلص هذا البحث إلى أن استدراج إسرائيل للولايات المتحدة إلى المستنقع الإيراني لم يكن وليد لحظة
عابرة أو رد فعل على تطورات طارئة، بل كان إستراتيجية ممنهجة استمرت لعقود، استندت إلى رؤية
إستراتيجية تعود إلى وثيقة “الانقطاع النظيف” (1996)، وتوظفت فيها أدوات متعددة: من المعلومات

الاستخباراتية، والضغط السياسي، واستغلال نقاط الضعف الأمريكية، إلى التصعيد المتدرج وفخاخ
الحرب.
وقد نجحت إسرائيل في جر الولايات المتحدة إلى مواجهة عسكرية مع إيران عبر آلية “فخ
التصعيد” التي جعلت الانسحاب الأمريكي مستحيلاً سياسياً. ففي كل مرة كانت المفاوضات تقترب من
حل، كانت إسرائيل تشن هجوماً يعيد إشعال الصراع ويجبر الولايات المتحدة على البقاء في دائرة
المواجهة. وهذا النمط المتكرر من “تخريب الدبلوماسية” كشف عن إرادة إسرائيلية واضحة في إبقاء
التوتر قائماً بين واشنطن وطهران، ومنع أي تقارب قد يضعف النفوذ الإسرائيلي في تشكيل السياسة
الأمريكية.
غير أن هذه الإستراتيجية حملت في طياتها تداعيات وخيمة على الولايات المتحدة وحلفائها. فبدلاً من
الحرب الخاطفة التي توقعتها واشنطن، تحول الصراع إلى حرب استنزاف كلفت الولايات المتحدة خسائر
باهظة على المستويات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية. والأكثر خطورة، أن الحرب أضعفت
الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ووسعت الفجوة بين واشنطن وحلفائها التقليديين في الخليج، وأحدثت
انقسامات داخلية عميقة في السياسة الأمريكية.
ويطرح هذا التحليل تساؤلات جوهرية حول مستقبل التحالف الأمريكي-الإسرائيلي: هل يمكن للولايات
المتحدة أن تستعيد دورها كقائد للتحالف، أم أنها ستظل أسيرة لـ”فخ التصعيد” الإسرائيلي؟ وهل يمكن
إعادة تعريف العلاقة بحيث تمنع إسرائيل من استخدام القوة العسكرية الأمريكية لخدمة أجنداتها الخاصة؟
أم أن “ذيل” إسرائيل سيستمر في هز “كلب” أمريكا؟
تشير التطورات الأخيرة، بما في ذلك اتفاق الولايات المتحدة وإيران على “مذكرة تفاهم إسلام آباد” لإنهاء
الحرب، إلى أن واشنطن بدأت تبحث عن مخرج من المستنقع. غير أن قدرة إسرائيل على عرقلة أي
تسوية دبلوماسية تظل التحدي الأكبر. فطالما ظل “فخ التصعيد” قائماً، وطالما ظلت إسرائيل قادرة على
شن هجمات تستفز إيران للرد، فإن السلام الحقيقي في المنطقة سيظل بعيد المنال.

قائمة المراجع

  1. “5 عقود من إستراتيجية إسرائيل السرية لدفع أمريكا وإيران إلى الحرب.” الجزيرة نت، 27
    يوليو 2026. 
  2. “كيف ورطت «تل أبيب» واشنطن في المستنقع الإيراني؟!” مجلة المجتمع، 29 مارس 2026. 
  3. “Israel’s strategy is about forcing U.S. entrapment.” CGTN، 1 مارس
    2026. 
  4. “Why Netanyahu is frantically trying to pull the US into Israel’s war
    on Iran.” Middle East Eye، 17 يونيو 2025. 
  5. “US and the Israel-Iran war: Exiting the escalatory trap.” Prothomalo،
    27 مارس 2026. 
  6. “Washington is being pulled deeper into Israel’s Iran strategy.” Daily
    Sabah، 13 مارس 2026. 
  7. Sari, Buğra. “Signals, Red Lines, and Collision: The Israel-Iran Spiral
    and US Intervention.” Wiley Online Library، 11 مايو 2026. 
  8. “الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. مسارات الصراع وآفاقه المستقبلية.” المعهد الدولي
    للدراسات الإيرانية (Rasanah)، 5 أبريل 2026. 
  9. “Divergent Agendas – The Quagmire in the 2026 Iran-Israel-U.S.
    War.” Vivekananda International Foundation، 27 أبريل 2026. 
  10. “Assumption Testing: The Iran War Is a Case of Alliance
    Entanglement.” Stimson Center، 3 أغسطس 2026. 
  11. “Trump goes to war despite professed aversion to foreign
    entanglements.” Associated Press، 1 مارس 2026. 
  12. “Israel Got Its War. America Got the Quagmire.” The Geopolity،
    11 أغسطس 2026. 
  13. “The U.S.-Israeli Strategy Towards Iran: Traps and
    Escalation.” Global Affairs، 9 يونيو 2026. 
  14. “How Netanyahu, AIPAC outsourced Israel’s war to
    Trump.” New Age، 13 أغسطس 2026. 
  15. “US-Iran deal may leave Netanyahu as biggest
    casualty.” Reuters، 24 يونيو 2026. 
  16. “Israel’s war on Iran is perilous on so many levels.” The
    National، 16 يونيو 2025. 
  17. “How The US And Israel Systematically Eroded Iranian
    Sovereignty.” The Friday Times، 25 ديسمبر 2025. 
  18. “Israel’s strategy of forcing US entrapment.” CGTN، 1 مارس
    2026. 
  19. “حرب إيران 2026.” ويكيبيديا العربية. 
  20. “Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm” (وثيقة
    إستراتيجية، 1996).

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك