الذكاء الصناعي وصناعة الأجيال الغبية
سالم روضان الموسوي
يشهد العالم المعاصر طفرة غير مسبوقة في تقنيات الذكاء الصناعي، حيث باتت هذه الأدوات قادرة على إنتاج النصوص وتحليل البيانات وصياغة المقالات والبحوث في وقت وجيز، غير أن هذا التقدم، على الرغم من فوائده، يثير مخاوف جدية تتعلق باضمحلال ملكة التفكير النقدي والتحليلي لدى الأفراد إذا ما استخدم كبديل كامل عن الجهد العقلي والبحثي، فالعقل أشبه بعضلة، يقوى بالتمرين ويضعف بالإهمال، وحاله مثل الذي يهجر الكتابة اليدوية ويعتمد على الآلة الحاسبة، مما يفقده تدريجياً مهارة الخط الجميل ويصبح خطه مشوهاً وغير متناسق، وكذلك من يترك التفكير والتحليل ويكتفي بما يقدمه الذكاء الصناعي سيجد نفسه عاجزاً عن توليد الأفكار أو صياغة الحجج، وسيؤدي ذلك حتماً إلى تعطيل القدرات الذهنية وإنتاج أجيال غير قادرة على التفكير النقدي أو التحليل المنطقي، ويمكن ان نطلق عليها (أجيال غبية)
وقد تجسدت هذه المخاوف في تجربة شخصية حين التقيت أحد الأصدقاء القدامى، وأعرف محدودية معرفته في العلوم الاقتصادية، فإذا به يعرض دراسة معمقة عن الوضع الاقتصادي في العراق ويطرح النظريات الاقتصادية بثقة، وقد أعجبت بما ورد فيها من أفكار وهوامش لمصادر مهمة لاقتصاديين كبار على مستوى العالم، غير أن المفاجأة كانت حين أخبرني بأن هذه الدراسة كتبت بواسطة الذكاء الصناعي، وأن دوره اقتصر على الاطلاع عليها ووضع اسمه عليها،
حاولت أن أستوضح منه مضمون الدراسة وتفاصيلها، فكان لا يعلم عنها إلا ما يقرأه منها مباشرة، ولم يتمكن من الإجابة عن الأسئلة التي أثيرت حولها، لأنه لم يطلع على ما ورد فيها من معلومات ومعرفة من مصادرها او بحث عنها في الكتب والمراجع الاخرى، كما لم يجهد فكره في التدريب على التفكير من خلال القراءة أو البحث في الكتب والرجوع إليها، وهذا ينذر بأن الاعتماد الكلي على الذكاء الصناعي يعطل أدوات البحث والتحصيل المعرفي، ويجعل صاحبه مجرد ناقل للنصوص دون امتلاك خزين معرفي أو قدرة على النقد والتحليل، او حتى مناقشة ما ورد فيه
لذلك فإن أخطر ما قد ينجم عن هذا النمط من الاتكال، هو ظهور أجيال مستهلكة للمعرفة دون قدرة على إنتاجها أو نقدها، عاجزة عن التمييز بين الصحيح والزائف أو بين الرصين والسطحي، وهو ما يهدد القيم المعرفية ويضعف البنية الفكرية للمجتمع، وبذلك تبرز ضرورة الرجوع إلى المصادر الأصلية في الكتب والمراجع الموثوقة، لإن هذا الرجوع لا يثري النصوص فحسب، بل يغرس في القارئ والكاتب قيمة معرفية راسخة، ويمنحه القدرة على التمييز بين الرأي والاجتهاد وبين الحقيقة والافتراض،
أما الاكتفاء بما يكتبه الذكاء الصناعي، فإنه يفضي إلى نصوص سطحية تفتقر إلى العمق وتضعف الصلة بالتراث الفكري والبحثي،
لكن هذا لا يمنع ان يكون الذكاء الصناعي أداة مساعدة لا كبديل كامل، فهو أشبه بالمكتبة أو الموسوعة التي يستعين بها الباحث، لكن لا يجوز أن تحل محل عملية التفكير نفسها، فالتيسير مطلوب، أما الاستبدال سوف يؤدي إلى تعطيل العقل وإفقار القيم المعرفية، و الخطر الكبير الذي يواجه البشرية ليس الذكاء الصناعي ذاته، بل غياب الوعي في التعامل معه، فإذا تحول إلى بديل عن التفكير والبحث والرجوع إلى المصادر الأصلية سنشهد تراجعاً حضارياً وفكرياً، أما إذا استخدم بوعي وباعتباره وسيلة مساعدة، فسيكون داعماً للإبداع لا هادماً، ولابد من التنويه الا اني ايضاً اعتمد الذكاء الصناعي احياناً في البحث عن المصادر او إعادة صياغة المنشور، مما ييسر لي الامر ويختزل الوقت،
ومن الجدير بالذكر ان أحد الامريكان من الذين يعملون في مجال الفكر السياسي وفي مقابلة تلفزيونية نشرت على الانترنيت، كان قد اطلق على الذكاء الصناعي بانه (المسيح الدجال) المبشر عنه في الروايات الدينية عند بعض الأديان، حيث يجعل عقولنا معطلة وليس لنا الا ان ناكل ونشرب ونستهلك حتى ينتهي العمر ويصبح سلوك الانسان سلوك الغائب عنه عقله، بل هو كالدواب او اضل، واعتقد ان هذه واحدة من اهداف الغرب لتعطيل ملكة التفكير عند الجميع، حتى يسهل انقيادهم، ويبقى القليل من أصحاب هذه البرامج هم المسيطرون على مقدرات العالم ويتحكمون فيه.
قاضٍ متقاعد



إرسال التعليق