من الاعتراف إلى القطيعة: 75 عاماً من العلاقات التركية الإسرائيلية

محمد عبد الكريم يوسف
تُعدّ العلاقات التركية الإسرائيلية واحدة من أكثر العلاقات الدولية تقلباً في الشرق الأوسط، إذ شهدت على
مدى 75 عاماً (1949-2024) مسيرة متعرجة بين التحالف الاستراتيجي والقطيعة الدبلوماسية. كانت
تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بإسرائيل عام 1949، لكن العلاقات تدهورت تدريجياً مع
تصاعد القضية الفلسطينية كعامل محوري، وبلغت ذروة التقارب في عقد التسعينيات من القرن الماضي
قبل أن تشهد انهياراً متسارعاً في عهد حزب العدالة والتنمية. يتناول هذا البحث التطور التاريخي
للعلاقات التركية الإسرائيلية في أربع مراحل رئيسية: مرحلة الاعتراف الأولي والتوازن الدقيق (1949-
1967)، مرحلة البرود والتباعد (1967-1990)، مرحلة التحالف الاستراتيجي (“العقد الذهبي”
1991-2000)، وأخيراً مرحلة التدهور والقطيعة (2002-2024). يخلص البحث إلى أن العوامل
الفكرية والمتعلقة بالهوية الوطنية التركية، إلى جانب التحولات في البنية الداخلية لصنع القرار التركي،
كانت أكثر تأثيراً من المصالح المادية في توجيه مسار العلاقات، وأن القضية الفلسطينية ظلت العامل
الأكثر استقراراً والأعمق تأثيراً في تشكيل طبيعة هذه العلاقات عبر سبعة عقود ونصف.

أولاً: الإطار النظري والإشكالية البحثية
شكّلت العلاقات التركية الإسرائيلية على مدى 75 عاماً نموذجاً فريداً للعلاقات الدولية في الشرق
الأوسط، حيث جمعت بين فترات من التقارب الاستراتيجي العميق وفترات من التوتر والقطيعة شبه
الكاملة. فتركيا، التي كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بدولة إسرائيل في مارس 1949,وجدت
نفسها طوال عقود في موقع توازن صعب بين علاقاتها مع إسرائيل والتزاماتها تجاه العالم العربي
والقضية الفلسطينية.
تطرح هذه الدراسة سؤالاً مركزياً: كيف يمكن تفسير التقلبات الحادة في العلاقات التركية الإسرائيلية،
والانتقال من الاعتراف المبكر إلى التحالف الاستراتيجي في التسعينيات ثم إلى القطيعة شبه الكاملة في
العقد الثاني من الألفية الثالثة؟ للإجابة على هذا السؤال، تعتمد الدراسة مقاربة تجمع بين التحليل
التاريخي والنظري، مستفيدة من نظرية “الأمننة” في مدرسة كوبنهاغن، التي تتيح فهم كيف تم تأطير
القضايا الأمنية بطرق مختلفة في فترات زمنية متباينة.
يفترض البحث أن العوامل الفكرية (الأيديولوجية والهوية) لعبت دوراً لا يقل أهمية عن العوامل المادية
(الأمنية والاقتصادية) في تشكيل مسار العلاقات، وأن تطور الهوية الوطنية التركية – من الدولة الكمالية
العلمانية إلى هوية إسلامية-محافظة تحت حكم حزب العدالة والتنمية – كان محدداً رئيسياً في تحول
العلاقات من تحالف استراتيجي إلى قطيعة.

ثانياً: مرحلة الاعتراف الأولي والتوازن الدقيق (1949-1967)

2.1 الاعتراف: قرار استراتيجي في سياق متغير
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، انتهجت تركيا سياسة مؤيدة للعرب بشكل واضح، متأثرةً باعتبارات
دينية وعملية. لكن حدثين رئيسيين أدّيا إلى تحول تدريجي في السياسة التركية أواخر عام 1948: الفشل
العربي المدوي في القضاء على دولة إسرائيل الناشئة، وخيبة أمل أنقرة من عدم دعم الدول العربية
لترشحها لعضوية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
في 28 مارس 1949، وقّع الرئيس عصمت إينونو على قرار “الاعتراف الفوري (بحكم الواقع) بدولة
إسرائيل”، لتصبح تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالدولة اليهودية. وقد صوّتت تركيا ضد
قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر 1947، لكنها سارعت إلى الاعتراف
بإسرائيل بعد عام ونصف. افتتحت تركيا بعثتها الدبلوماسية الأولى في تل أبيب عام 1950، وظلت
طوال ثلاثة عقود الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة التي تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.
يعكس هذا القرار مزيجاً من الاعتبارات العملية والاستراتيجية: فإلى جانب خيبة الأمل العربية، سعت
تركيا إلى إقامة علاقة متبادلة المنفعة مع إسرائيل، آمِلةً أن يساعدها ذلك في جهودها لتقديم نفسها كدولة
عصرية وعلمانية، وتسهيل انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). كما تزامن هذا التوجه مع
“استراتيجية الأطراف” التي ابتكرها رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون، والتي سعت إلى كسر
طوق العداء العربي عبر تحالفات مع الدول غير العربية في المنطقة، وعلى رأسها تركيا وإيران وإثيوبيا.

2.2 العلاقات في خمسينيات القرن العشرين
شهدت خمسينيات القرن العشرين تحسناً ملحوظاً في العلاقات الثنائية، مع توقيع عدد من الاتفاقيات
التجارية. لعبت تركيا دوراً مهماً في “استراتيجية الأطراف” التي تبناها بن غوريون، وتعاون البلدان ضد
سوريا التي كانت تشكل عدواً مشتركاً في ذلك الوقت.
لكن العلاقات لم تخلُ من التوترات. إذ شعرت إسرائيل بالقلق إزاء مشاركة تركيا في حلف بغداد
(1955)، كما خفضت أنقرة مستوى تمثيلها الدبلوماسي لدى إسرائيل بعد حرب السويس عام 1956،
التي أثارت مشاعر معادية لإسرائيل في الشارع التركي.
ورغم هذه التقلبات، واصل البلدان تعاونهما في مجالات الاستخبارات والعسكرية، انطلاقاً من التهديد
المشترك المتمثل في التوسع السوفييتي، والوحدة العربية، والحركات الإسلامية. وقد أشارت الدراسات
إلى أن العوامل الخارجية لعبت دوراً رئيسياً في تشكيل التحالف التركي-الإسرائيلي غير المعلن في عام
1958، وهو ما يؤكد النهج الكلاسيكي في تفسير تشكيل التحالفات. في عام 1958، توصّل الطرفان إلى
اتفاق استراتيجي عُرف بـ”التحالف المحيطي”، بسبب نظرتهما المشتركة لحكومات حزب البعث في
سوريا والعراق باعتبارها تهديداً أمنياً.

2.3 الحيطة والسرية في العلاقات
حتى تسعينيات القرن العشرين، حرصت أنقرة على إخفاء علاقاتها المتنامية مع إسرائيل، خاصة في
المجال الأمني، بسبب هويتها العربية والإسلامية المتنامية وتضامنها مع الفلسطينيين. حتى الرئيس جمال
كورسل، الجنرال الذي تولى الرئاسة بعد انقلاب 1960 وقوّى العلاقات مع إسرائيل على مستويات عدة،
اشترط أن تظل هذه العلاقات سرية.

في المقابل، لم يتردد رئيس الوزراء سليمان دميريل، الذي هيمن على المشهد السياسي التركي بين
1965 و1980، في كبح العلاقات التركية-الإسرائيلية وتطوير علاقات وثيقة مع “الدول العربية
والإسلامية الشقيقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.

ثالثاً: مرحلة البرود والتباعد (1967-1990)

3.1 حربا 1967 و1973
اتخذت تركيا موقفاً عربياً واضحاً في حربي 1967 و1973. فقد منعت الولايات المتحدة من استخدام
المعدات التركية التابعة للناتو لتزويد إسرائيل خلال حرب 1973، بينما سمحت للاتحاد السوفييتي
باستخدام مجالها الجوي لتزويد العرب.
كما خفضت تركيا مستوى تمثيلها الدبلوماسي لدى إسرائيل بعد أن أعلنت القدس عاصمة لإسرائيل في
قانون القدس لعام 1980. وأدى دعم أنقرة لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3237 في نوفمبر
1974 (الذي منح منظمة التحرير الفلسطينية صفة مراقب) وقرار 3379 في نوفمبر 1975 (الذي
اعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية) إلى تفاقم العلاقات.

3.2 ثمانينيات القرن العشرين
تراجعت العلاقات التركية-الإسرائيلية أكثر في ثمانينيات القرن العشرين، وذلك بعد سلسلة من الأحداث
الدراماتيكية: قانون القدس لعام 1980، حرب لبنان 1982، والانتفاضة الفلسطينية في الضفة الغربية
وقطاع غزة في ديسمبر 1987. ومع ذلك، استمر التعاون الخفي بين أنقرة والقدس في ثمانينيات القرن
العشرين، حيث تشكلت علاقات التعاون خلف الكواليس من خلال حملة تركيا لمنع الاعتراف الدولي
بالإبادة الأرمينية، وهو ما كشف عن مساومات استراتيجية وحسابات للذاكرة الدولية أعادت تشكيل
التحالفات في الشرق الأوسط.

رابعاً: “العقد الذهبي” وتحالف التسعينيات (1991-2000)

4.1 العوامل المؤدية إلى التقارب
شكّل عقد التسعينيات ذروة العلاقات التركية-الإسرائيلية، إذ ارتفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى
السفراء عام 1991. وساهمت عدة عوامل في هذا التقارب:
أولاً، العوامل الأمنية: بعد انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج عام 1991، بدأت تركيا وإسرائيل تريان
بشكل متقارب التهديدات الأمنية الصاعدة من إيران والعراق وسوريا، فضلاً عن انتشار أسلحة الدمار
الشامل، والتطرف الإسلامي، والإرهاب.

ثانياً، العوامل السياسية الإقليمية: خلقت مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، واتفاقات أوسلو 1993-
1995، ومعاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية 1994 بيئة مواتية لتعميق العلاقات.
ثالثاً، العوامل الاقتصادية: في منتصف التسعينيات، وقّعت أنقرة والقدس اتفاقية تجارة حرة، ومعاهدة
لتجنب الازدواج الضريبي، ومعاهدة استثمار ثنائية. ارتفع حجم التجارة بين البلدين من أكثر من 90
مليون دولار عام 1989 إلى أكثر من 600 مليون دولار عام 1997.

4.2 التحالف العسكري الاستراتيجي
بلغ التحالف بين إسرائيل وتركيا ذروته في عام 1996 مع توقيع اتفاقية التعاون العسكري والتدريب،
تبعتها اتفاقية ثانية في مجالات الدفاع والبحث والتطوير ونقل التكنولوجيا. نصّت اتفاقية التعاون العسكري
والتدريب على مناورات عسكرية مشتركة، وبيع أنظمة أسلحة إسرائيلية متطورة لتركيا، وتبادل
المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن وصول إسرائيلي مزعوم إلى المجال الجوي التركي لأغراض
التدريب والعمليات.
كان الدافع الرئيسي لهذا المستوى من التعاون الاستراتيجي هو تصاعد التوترات بين سوريا وتركيا. فقد
اعتبرت كل من إسرائيل وتركيا سوريا عدواً بسبب النزاعات الإقليمية مع دمشق. كما نظر إلى التحالف
الإسرائيلي-التركي باعتباره حاجزاً حاسماً ضد سوريا وإيران، اللتين كانتا تدعمان منظمتي حماس
وحزب الله الإرهابيتين، مع دعم سوريا أيضاً لحزب العمال الكردستاني (PKK).
وقد أثبتت الأحداث أن السياسة الداخلية التركية في ذلك الوقت لم يكن لها تأثير كبير على السياسة
الخارجية. فحتى خلال فترة ولاية نجم الدين أربكان (رئيس الوزراء الإسلامي المحافظ)، لم تتأثر
العلاقات العسكرية التركية-الإسرائيلية، بل تعززت. وعندما فكّر أربكان في التقارب مع إيران، أجبره
الجيش على الاستقالة، مما أدى إلى تشكيل حكومة أكثر غربية.

4.3 الأهمية الجيوسياسية للتحالف
يُجمع الباحثون على أن العامل الرئيسي الذي مكّن هذا المستوى من التعاون الاستراتيجي كان التوتر
المتزايد بين سوريا وتركيا. ففي الفترة التي أعقبت الحرب الباردة، قامت النخبة العسكرية-البيروقراطية
التركية، بصفتها الفاعل الأمني الأساسي، بتأطير تهديدات مثل حزب العمال الكردستاني، وسوريا،
وإيران، والإسلام السياسي باعتبارها تهديدات وجودية للدولة الكمالية العلمانية. وقد شرّع هذا التأطير
تحالفاً استثنائياً مع إسرائيل بوصفها الشريك الديمقراطي والعلماني والغربي الوحيد في المنطقة، مما وفّر
الوصول إلى التكنولوجيا العسكرية والتوازن الاستراتيجي.

خامساً: مرحلة التدهور والقطيعة (2002-2024)

5.1 تحولات ما بعد صعود حزب العدالة والتنمية

شهدت العلاقات التركية-الإسرائيلية تراجعاً غير مسبوق في عهد حزب العدالة والتنمية (AKP). ومع
ذلك، لم تبدأ العلاقات بالتدهور فعلياً حتى عام 2009. يفسر الباحثون هذا التحول من خلال تحول
المرجع الأمني من سيادة الدولة إلى الهوية الجماعية والأمن المجتمعي. فمع صعود حزب العدالة
والتنمية، وتراجع الوصاية العسكرية في صنع السياسة الخارجية، وتبني سياسة “صفر مشاكل مع
الجيران”، قامت القاعدة المحافظة بإعادة تأمين السياسات الإسرائيلية تجاه فلسطين باعتبارها تهديداً
وجودياً للهوية الإسلامية والإنسانية.

5.2 أزمات متتالية: من “الرصاص المصبوب” إلى “أسطول مرمرة”
شهدت الفترة 2008-2010 سلسلة من الأزمات التي أحدثت شرخاً عميقاً في العلاقات:
أولاً: عملية “الرصاص المصبوب” (2008-2009) – شكلت حرب غزة نقطة تحول رئيسية في
العلاقات الثنائية. فقد أعربت تركيا عن غضبها الشديد إزاء الهجوم الإسرائيلي على غزة، وبلغ التصعيد
ذروته في “أزمة الدقيقة الواحدة” خلال منتدى دافوس عام 2009، عندما واجه رئيس الوزراء رجب
طيب أردوغان الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز واتهم إسرائيل بـ”معرفة كيفية القتل”.
ثانياً: حادثة أسطول “مرمرة” (مايو 2010) – تُعد هذه الحادثة نقطة التحول الأكثر حسماً في تدهور
العلاقات. في 31 مايو 2010، هاجمت القوات الإسرائيلية سفينة “مافي مرمرة” التي كانت جزءاً من
أسطول من ست سفن يحاول كسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة وتوصيل الإمدادات. أسفر الهجوم
عن مقتل تسعة ناشطين أتراك. وقد تسببت الحادثة في انهيار شبه كامل للعلاقات، مع انقطاع كامل
للحوار على المستويات العليا. هددت تركيا لأول مرة بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

5.3 محاولات التطبيع (2016-2022)
شهدت السنوات بين 2016 و2022 محاولات متعددة لإصلاح العلاقات. ففي أغسطس 2016،
توصّلت تركيا وإسرائيل إلى اتفاق تطبيع. وتصاعدت وتيرة التطبيع بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق
هرتسوغ لأنقرة في مارس 2022، حيث اتفق الجانبان على استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. وفي
العام نفسه، وافقت تركيا وإسرائيل على إعادة تعيين سفراء بعد عقد من العلاقات المتجمدة شبه الكاملة.

5.4 حرب غزة 2023 والقطيعة النهائية
أدى اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 إلى انهيار سريع لعملية التطبيع الهشة. في 4 نوفمبر 2023،
أعلنت تركيا استدعاء سفيرها لدى إسرائيل وقطع الاتصالات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو احتجاجاً
على إراقة الدماء في غزة. ومع ذلك، أقرّ أردوغان بأن القطع الكامل للعلاقات الدبلوماسية “غير ممكن،
خاصة في الدبلوماسية الدولية”.
تطورت الإجراءات التركية في 2024 إلى عقوبات اقتصادية شاملة. ففي 9 أبريل 2024، أوقفت تركيا
صادراتها إلى إسرائيل في 1,019 منتجاً تحت 54 فئة، تلتها في 2 مايو 2024 تعليق كامل للتجارة مع
إسرائيل. وفي نوفمبر 2024، أعلن الرئيس أردوغان أن تركيا “قطعت التجارة والعلاقات مع إسرائيل”،
مؤكداً عدم وجود نية لمواصلة أو تطوير العلاقات.

بحلول أغسطس 2025، وسّعت تركيا إجراءاتها لتشمل إغلاق المجال الجوي للطائرات الإسرائيلية،
ومنع السفن الإسرائيلية من استخدام الموانئ التركية، ومنع السفن التركية من الرسو في الموانئ
الإسرائيلية. ووفقاً لتقارير، كانت تركيا خامس أكبر شريك تجاري لإسرائيل حتى مايو 2024، عندما
أوقفت أنقرة فجأة جميع الواردات والصادرات.

سادساً: تحليل العوامل المؤثرة في مسار العلاقات

6.1 العوامل المادية مقابل العوامل الفكرية
تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن العلاقات التركية-الإسرائيلية، رغم أهميتها الأمنية والاقتصادية للبلدين،
تتشكل إلى حد كبير بعوامل فكرية، وفي مقدمتها تطور الهوية الوطنية التركية. فالتقلبات في العلاقات لم
تكن نتيجة لتغيرات في المصالح المادية بقدر ما كانت انعكاساً لتطور مفهوم الدولة والهوية في تركيا.
يوضح تحليل الفترات الثلاث (الحرب الباردة، 1990-2002، وعصر حزب العدالة والتنمية) وجود
علاقة قوية بين تطور الهوية الوطنية التركية وعلاقات أنقرة مع إسرائيل. ففي فترة الحرب الباردة، كانت
الهوية العلمانية الغربية هي المهيمنة، مما جعل التحالف مع إسرائيل – الشريك العلماني والديمقراطي
الوحيد في المنطقة – مقبولاً استراتيجياً. أما في عصر حزب العدالة والتنمية، فقد حلّت الهوية الإسلامية-
المحافظة محل الهوية العلمانية، مما جعل الدفاع عن القضية الفلسطينية أولوية وجودية.

6.2 القضية الفلسطينية كعامل ثابت
رغم كل التقلبات، ظلت القضية الفلسطينية العامل الأكثر استقراراً والأعمق تأثيراً في العلاقات التركية-
الإسرائيلية. فقد تذبذبت العلاقات تاريخياً وفقاً لتطورات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، من حرب
1956 إلى حرب 1967 و1973، مروراً بالانتفاضات، وصولاً إلى حروب غزة المتعاقبة.
وقد لاحظ الباحثون أن العلاقات التركية-الإسرائيلية شهدت تناقضاً لافتاً في السنوات الأخيرة: فرغم
الأزمات الدبلوماسية المتكررة، استمر حجم التجارة الثنائية في التوسع، ليصل إلى مستويات قياسية في
عام 2023. هذا التناقض يعكس انفصالاً بين المنطق الاقتصادي (الذي ظل قائماً على المصالح المادية)
والمنطق السياسي (الذي أصبح يخضع بشكل متزايد للاعتبارات الأيديولوجية والهوياتية).

6.3 التحول في عملية صنع القرار التركي
يلاحظ الباحثون تحولاً جوهرياً في عملية صنع القرار التركي تجاه إسرائيل، تمثل في تراجع دور
المؤسسة العسكرية وصعود النخبة السياسية المحافظة. ففي التسعينيات، كانت السياسة الخارجية التركية
تخضع لإشراف الجيش الذي ظل متمسكاً بالتحالف الغربي، مما جعل العلاقة مع إسرائيل محصنة ضد
التقلبات السياسية الداخلية. أما في عصر حزب العدالة والتنمية، فقد تراجعت الوصاية العسكرية،
وأصبحت السياسة الخارجية تعكس بشكل أكبر توجهات القاعدة الانتخابية المحافظة.

خاتمة
على مدى 75 عاماً، مثلت العلاقات التركية-الإسرائيلية مرآة عكست التحولات العميقة في السياسة
التركية والشرق الأوسط. فمن الاعتراف المبكر عام 1949، إلى التحالف الاستراتيجي في التسعينيات،
وصولاً إلى القطيعة شبه الكاملة في العقد الثاني من الألفية الثالثة، مرّت العلاقات بمسيرة متقلبة تعكس
تفاعل عوامل متشابكة: المصالح الأمنية، الحسابات الاقتصادية، الهوية الوطنية، والقضية الفلسطينية.
يخلص البحث إلى أن العوامل الفكرية (الهوية والأيديولوجيا) كانت أكثر تأثيراً من العوامل المادية في
توجيه مسار العلاقات، خاصة في العقدين الأخيرين. كما أن القضية الفلسطينية أثبتت أنها العامل الأكثر
استقراراً والأعمق تأثيراً في تشكيل طبيعة العلاقات، حيث ظلت تشكل المحك الذي تُختبر به أي علاقة
تركية-إسرائيلية، بغض النظر عن مستوى التقارب أو التباعد في أي مرحلة.
يبقى مستقبل العلاقات مرهوناً بتطورات عدة: مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، التحولات في الهوية
السياسية التركية، والتوازنات الإقليمية المتغيرة في شرق المتوسط والشرق الأوسط. وما يبدو مؤكداً هو
أن العلاقات التركية-الإسرائيلية، حتى في حالات القطيعة الظاهرية، ستظل محكومة بمنطق الازدواجية
بين المصالح المادية والاعتبارات الأيديولوجية، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيداً
وغموضاً في المنطقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك