الأسطورة والخطأ في التفكير الإسرائيلي حول شعوب الشرق الأوسط
Myth take and Mistake in the Israeli Mind Concerning the Peoples
of the Middle East
محمد عبد الكريم يوسف
الملخص
يسعى هذا البحث إلى تفكيك البنى الأسطورية والمعرفية التي تشكّل العقل الإسرائيلي في نظرته إلى شعوب الشرق الأوسط، ولا سيما العرب
والفلسطينيين. ينطلق البحث من فرضية مفادها أن التفكير الإسرائيلي تجاه المنطقة لم ينبثق من فراغ تاريخي أو معرفي، بل تشكّل عبر
تراكم من الأساطير التأسيسية، والتصورات الاستشراقية، والصور النمطية المغلوطة التي أعادت إنتاجها المناهج الدراسية، ووسائل الإعلام،
والخطاب السياسي. يهدف البحث إلى كشف كيفية تحول هذه الأساطير إلى أدوات إيديولوجية تبرر السياسات التوسعية، وتُعمّق الصراع،
وتحول دون فهم “الآخر” العربي بوصفه كياناً إنسانياً وتاريخياً وثقافياً مستقلاً. يعتمد البحث منهجاً تحليلياً نقدياً يستعرض الأدبيات الأكاديمية
والنقدية التي تناولت الأساطير الصهيونية والاستشراق الإسرائيلي، ويخلص إلى أن هذه الأساطير لم تقتصر على تشويه صورة الشعوب
العربية فحسب، بل أسهمت أيضاً في تشكيل هوية إسرائيلية قائمة على الخوف والتفوق والانعزال عن محيطها الإقليمي.
مقدمة
تمثل الأسطورة، في سياق البحث الفكري والسياسي، أكثر من مجرد سردية خيالية؛ إنها أداة معرفية تعيد تشكيل الواقع وفق رؤية إيديولوجية
معينة، وتكرّس شرعية الجماعات السياسية وتبرر أفعالها. في الحالة الإسرائيلية، لعبت الأساطير دوراً محورياً في بناء الدولة وفي تشكيل
العقل الجمعي الإسرائيلي تجاه شعوب الشرق الأوسط. هذه الأساطير لم تكن مجرد حواشٍ فولكلورية، بل أصبحت جوهر الخطاب السياسي
والتعليمي والثقافي، ما جعلها تمثل “عقبات معرفية” تحول دون رؤية الآخر العربي برؤية موضوعية.
يتناول هذا البحث الأساطير والصور النمطية التي رسّخها الفكر الإسرائيلي عن شعوب الشرق الأوسط، محاولاً تفكيكها وتحليل جذورها
وتداعياتها. وتنطلق أهمية البحث من كونه يسهم في فهم أعمق للصراع العربي-الإسرائيلي، ليس بوصفه صراعاً عسكرياً أو سياسياً فحسب،
بل بوصفه صراعاً معرفياً وسردياً يقوم على أساطير متجذرة في العقل الجمعي الإسرائيلي.
أولاً: الإطار المفاهيمي: الأسطورة والخطأ في السياق الإسرائيلي
قبل الخوض في تفاصيل الأساطير الإسرائيلية، لا بد من تحديد المفهومين المحوريين للبحث: الأسطورة والخطأ المعرفي. فالأسطورة في
هذا السياق ليست مجرد حكاية تراثية، بل “سردية تأسيسية” تعيد بناء الماضي لتبرير الحاضر وتوجيه المستقبل. أما الخطأ في التفكير، فهو
يتجاوز مجرد المعلومات المغلوطة إلى بنى معرفية متكاملة تُنتج رؤية مشوّهة للواقع وللآخر.
يشير الباحثون إلى أن الأساطير الصهيونية استمدت قوتها من قدرتها على المزج بين السردية الدينية والتاريخية، بحيث أصبح “من الصعب
التمييز بين القصص التوراتية والتاريخية، خاصة عندما يعزز ذلك الرواية الصهيونية”. وهذا المزج بين المقدس والتاريخي جعل هذه
الأساطير محصنة ضد النقد الموضوعي، وأضفى عليها قداسة دينية تعيق أي محاولة لمراجعتها.
يعرف الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه غارودي هذه الظاهرة بأنها “تشويه منهجي للتاريخ” قامت به الحركة الصهيونية بغرض “ادعاء
الحق في أرض فلسطين، واستخدم هذا التشويه لتبرير نزع ملكية الشعب الفلسطيني”. فليست الأسطورة هنا مجرد خطأ عابر، بل أداة
مقصودة لإعادة كتابة التاريخ.
ثانياً: الأساطير التأسيسية في الفكر الإسرائيلي
تتأسس الرؤية الإسرائيلية لشعوب الشرق الأوسط على مجموعة من الأساطير التأسيسية التي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
- أسطورة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”
تُعد هذه الأسطورة الأكثر رسوخاً والأوسع انتشاراً في الخطاب الصهيوني. تعود جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر، حيث صاغها
السياسي الإنجليزي اللورد شافتسبري. تفيد هذه الأسطورة أن فلسطين كانت أرضاً خالية من السكان حين بدأت الهجرات اليهودية، وأن
اليهود شعب بلا وطن، فجاء توحيد “الشعب بلا أرض” مع “الأرض بلا شعب” حلاً مثالياً.
غير أن الوقائع التاريخية تنقض هذه الأسطورة جذرياً. ففي عام 1882، أي قبل بدء الهجرات الصهيونية الكبرى، كان تعداد سكان فلسطين
نحو 500 ألف نسمة، منهم 25 ألف يهودي فقط. كما أن “الفلسطينيين اليوم هم المتحدرون المباشرون من العبرانيين القدماء والكنعانيين في
فلسطين”، وهو ما يعني أن الوجود الفلسطيني في الأرض ليس وافداً طارئاً، بل امتداد تاريخي لسكان المنطقة الأصليين. - أسطورة “لا يوجد شعب فلسطيني”
ترتبط هذه الأسطورة ارتباطاً وثيقاً بسابقتها، وتقوم على إنكار وجود هوية وطنية فلسطينية مستقلة. يروّج لهذه الأسطورة اليمين الإسرائيلي،
الذي يذهب إلى حد القول بأن “اليسار اخترع الشعب الفلسطيني”. وتستند هذه الأسطورة إلى فرضية أن الفلسطينيين ليسوا أكثر من “عرب
قدموا مع الفتح الإسلامي”، وهي فرضية يصفها الناقد جوزيف مسعد بأنها “دعاية إسرائيلية” و”غير صحيحة بالطبع”. - أسطورة “إسرائيل الكبرى” (من النيل إلى الفرات)
ترسم هذه الأسطورة حدوداً توسعية لدولة إسرائيل تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، وتستند إلى تفسيرات توراتية لنصوص وعدية. ورغم
أن “حتى الإسرائيليين أنفسهم، بما في ذلك أكثر التيارات تطرفاً، يدركون استحالة تحقيق مقولة ‘إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل'”، فإن
هذه الأسطورة تظل حاضرة في الخطاب السياسي والديني، وتُستخدم “كغطاء ديني” و”خرافة” تسهم في “الشلل النفسي والسقوط المعنوي”. - أسطورة “اليهودي الأصيل” و”العربي الدخيل”
تعمل هذه الأسطورة على ترسيخ صورة اليهودي بوصفه “الابن الأصلي والشرعي لأرض كنعان” الذي “طُرد منها ظلماً وجوراً، وله دوماً
الحق في العودة، وهي عودة مقدسة”. في المقابل، يُصوّر العربي بوصفه “دخيلاً” أو “غازياً” لا جذور له في الأرض. وهذه الثنائية تكرس
فكرة التفوق اليهودي وتبرر سياسات التوسع والتهجير.
ثالثاً: الاستشراق الإسرائيلي وصور الآخر العربي
لا تقتصر الأساطير الإسرائيلية على السرديات التاريخية فحسب، بل تمتد إلى تشكيل صورة نمطية متكاملة عن العربي والشرق الأوسط،
يمكن قراءتها في ضوء نظرية الاستشراق كما صاغها إدوارد سعيد. فالتفكير الإسرائيلي أعاد إنتاج الكثير من الصور الاستشراقية التي
رسّخها الغرب عن الشرق، وأضاف إليها أبعاداً أيديولوجية خاصة.
- صورة العربي: المتخلف، العنيف، غير العقلاني
تشير الدراسات إلى أن “المجتمع الإسرائيلي، وكثير من اليهود الغربيين المتأثرين بالصهيونية، يعرضون العرب عادةً على أنهم بدائيون،
متعصبون، وخطيرون”. هذه الصورة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج “مناهج دراسية وإعلام ودعاية شكلت صورة سلبية للغاية عن العرب”.
يُصوّر العربي في هذه الرؤية على أنه “غير عقلاني، متخلف، وأدنى عقلياً”، ما يبرر سياسات السيطرة والأمن تحت شعار “التهديد الدائم”.
وفي بعد آخر، يرى المحلل السياسي شاييل بن-أفرايم أن “المتشددين الإسرائيليين نظروا منذ زمن طويل إلى إسرائيل على أنها غربية في
توجهها، بينما اعتبروا العرب أدنى ثقافياً”. وهذا التصور الغربي/الشرقي يعيد إنتاج ثنائية الاستشراق الكلاسيكية، ويجعل من العربي
“الآخر” المهدد الذي يجب احتواؤه أو إخضاعه. - تجريد العربي من إنسانيته
يذهب الخطاب الإسرائيلي إلى أبعد من الصور النمطية، ليصل إلى تجريد العربي من إنسانيته. ففي الفكر الصهيوني والأدب الإسرائيلي،
“يُجرّد العربي من إنسانيته بوصفه العدو الأسمى: غير عقلاني، متخلف، وأدنى عقلياً”. وهذا التجريد يسهّل عملية “تسييس العنف” ضد
العرب، حيث يصبحون “هدفاً عسكرياً مقدساً” في المخيلة الإسرائيلية.
ويتجلى هذا التجريد بوضوح في المناهج المدرسية الإسرائيلية، حيث توصف المجموعات العربية بأنها “جماعات من أمة متوحشة”،
وتُصوّر قافلة عربية بأنها “قافلة عطشى للدماء”، وتُوصف قرية عربية بأنها “عش للقتلة”. وهذه الصور ليست مجرد مبالغات، بل أدوات
تربوية تعيد إنتاج الكراهية والخوف عبر الأجيال. - الاستشراق الداخلي: تمييز اليهود المزراحيين
تتجاوز ظاهرة الاستشراق الإسرائيلي حدود نظرتها إلى العرب، لتشمل أيضاً اليهود “الشرقيين” (المزراحيين) المنحدرين من أصول عربية.
فاليوم “تستهدف المواقف الاستشراقية الإسرائيلية ليس العرب فحسب، بل أيضاً الإسرائيليين المزراحيين (‘الشرقيين’) ذوي الجذور في العالم
العربي بوصفهم ‘الآخر'”. وهذا البعد الداخلي للاستشراق يضيف تعقيداً إلى الصورة، إذ يكشف عن انقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه
تقوم على أسس عرقية وثقافية.
رابعاً: آليات ترسيخ الأساطير والأخطاء في العقل الإسرائيلي
لا تبقى هذه الأساطير والصور النمطية حبيسة النخب الفكرية أو السياسية، بل تنتقل إلى الجمهور الواسع عبر آليات متعددة:
- التعليم
تلعب المناهج المدرسية دوراً محورياً في ترسيخ هذه الأساطير. فمنذ سن مبكرة، “تغرس المدارس بذور الخوف والتفوق، وتُنتج إعلامياً
غزيراً ينشر السردية عالمياً”. وتخلو المناهج عادةً من أي تمثيل إيجابي للعرب أو الفلسطينيين، ما يعزز الصورة النمطية السلبية. - الإعلام
تعمل وسائل الإعلام الإسرائيلية على إعادة إنتاج الصور النمطية وتكثيفها، خاصة في أوقات الأزمات والحروب. وتتضافر وسائل الإعلام
الغربية أحياناً في تضخيم هذه الصور، كما حدث في ادعاءات “قطع رؤوس الأطفال” التي “كانت كافية لكسب دعم غربي غير مشروط
لإسرائيل”، رغم أن هذه الادعاءات تبين لاحقاً أنها “افتراءات ملفقة”. - الخطاب السياسي والديني
يستخدم القادة السياسيون والزعماء الدينيون هذه الأساطير لتعبئة الجماهير وتبرير السياسات. فتصريحات الوزير بتسلئيل سموتريتش عن
“ركوب الجمال في الصحراء” ليست مجرد زلة لسان، بل تعبير عن رؤية استشراقية متجذرة تعتبر العرب أدنى مرتبة. - الأساطير كآلية دفاع نفسي
تشير بعض التحليلات النفسية إلى أن هذه الأساطير تؤدي وظيفة دفاعية للمجتمع الإسرائيلي. فـ”الإسرائيليون يعيشون تحت ضغط هواجس
الزوال والانهيار”، وهذه الهواجس تدفعهم إلى التمسك بأساطير تمنحهم الشعور بالأمان والشرعية. كما أن “الشعور الداخلي بالاضطهاد الذي
يتجلى في البارانويا والدفاعية”، إلى جانب “عدم التعاطف وعدم القدرة على فهم معاناة جيرانهم، الفلسطينيين”، يشكلان أرضاً خصبة لنمو
الأساطير وتثبيتها.
خامساً: تداعيات الأسطورة والخطأ على الصراع والسلام
للأساطير والأخطاء المعرفية في التفكير الإسرائيلي تداعيات عميقة تتجاوز حدود الفكر إلى واقع الصراع والمستقبل:
- إعاقة فرص السلام
تشير الدراسات إلى أن “عقوداً من الصور النمطية حالت دون السلام العربي-الإسرائيلي”. فطالما بقي العربي في المخيلة الإسرائيلية “عدواً
لا يفوت فرصة في تفويت فرص تاريخية لإيجاد حل للمأساة الفلسطينية”، فإن أي مبادرة سلام ستُقرأ في سياق هذه الصورة النمطية، ما
يعيق أي تقدم حقيقي. - تبرير العنف والتوسع
تتيح الأساطير للإسرائيليين تبرير سياساتهم تجاه الفلسطينيين والعرب. فإذا كان العربي “غير عقلاني” و”متخلف”، فإن السيطرة عليه تصبح
ضرورة أمنية وليست خياراً سياسياً. وإذا كانت “إسرائيل الكبرى” وعداً إلهياً، فإن التوسع الاستيطاني يصبح واجباً دينياً.
- تشويه الهوية الإسرائيلية
المفارقة أن هذه الأساطير لا تشوّه صورة العرب فحسب، بل تشوّه أيضاً الهوية الإسرائيلية نفسها. فـ”الإسرائيليون مشغولون في معالجة
مسألة صورتهم عوضاً عن الانشغال في مسألة ما هي الحكمة، وما هو المنطق، في أعمالهم. وفي ذلك فهم يكبلون أيديهم بأنفسهم”.
فالانشغال بالأساطير يمنع المجتمع الإسرائيلي من مواجهة نفسه بصدق، ومن إعادة النظر في علاقته بمحيطه الإقليمي. - تعزيز الانعزال الإقليمي
تعزز هذه الأساطير شعور إسرائيل بأنها “جزيرة غربية” في بحر عربي معادٍ، ما يدفعها إلى الانعزال عن المنطقة بدلاً من الاندماج فيها.
وهذا الانعزال، كما تشير بعض التحليلات، يضعف قدرة إسرائيل على فهم التحولات الإقليمية والتعامل معها بواقعية.
خاتمة
كشف هذا البحث عن البنى الأسطورية والمعرفية التي تشكّل التفكير الإسرائيلي تجاه شعوب الشرق الأوسط، مبيّناً كيف تحولت الأساطير
التأسيسية والصور الاستشراقية إلى أدوات إيديولوجية تعيد إنتاج الصراع وتبرر السياسات التوسعية. لقد تبين أن هذه الأساطير لم تقتصر
على تشويه صورة العربي والفلسطيني، بل أسهمت أيضاً في تشكيل هوية إسرائيلية قائمة على الخوف والتفوق والانعزال.
إن تفكيك هذه الأساطير ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل ضرورة عملية لأي مسعى حقيقي نحو السلام. فطالما ظل العربي في المخيلة
الإسرائيلية “الآخر” المهدد وغير العقلاني، وطالما ظلت الأساطير التأسيسية تحجب الوقائع التاريخية، فإن فرص السلام ستظل رهينة
بأساطير يصعب تبديدها. ولعلّ الطريق إلى سلام حقيقي يبدأ بإعادة النظر في هذه الأساطير، والاعتراف بأن شعوب الشرق الأوسط ليست
مجرد “آخرين” في سردية إسرائيلية، بل شعوب لها تاريخها وهويتها وحقها في الوجود والكرامة.
قائمة المراجع
- Garaudy, Roger. The Founding Myths of Modern Israel. Institute for Historical Review,
2000. - Rose, John. The Myths of Zionism. Pluto Press, 2004.
- Sternhell, Zeev. The Founding Myths of Israel: Nationalism, Socialism, and the Making of
the Jewish State. Princeton University Press, 1998. - “The Founding Myths of Israel.” Journal of Palestine Studies, 2016.
- Abul Saud, Ashraf. “How Decades of Stereotypes Have Blocked Arab-Israeli
Peace.” Egyptian Gazette, 2026. - Ben-Ephriam, Shaiel. “Deep-rooted Racism Underpins Israel’s View of Arabs as ‘Culturally
Inferior’.” Press TV, 2025. - “أساطير محببة لدى اليمين الإسرائيلي.” مركز مدار، 2003.
- “Orientalism, Myth, and Conquest: How Zionism and Colonialism Manipulate Religious
Narratives.” Al-Rawiya, 2023. - Gratch, Alon. The Israeli Mind: How the Israeli National Character Shapes Our World. St.
Martin’s Press, 2015. - Cohen, Hillel. Enemies, a Love Story: Mizrahim, Palestinians, and the Struggle for Israel.
2025. - Massad, Joseph. “Netanyahu’s False Assertions about Jews.” JNS.org, 2024.
- ” Hebrew Orientalism: Jewish Engagement with Arabo-Islamic Culture.” Middle East Eye,
2026.



إرسال التعليق