غريزة الجنس… لماذا وضع الله لها حدودًا؟*

رشيد مصباح (فوزي)

*

اليوم الجمعة المباركة.

بعد أن أدّيتُ صلاة الصبح في المسجد، جلستُ لبعض الوقت أذكر الله وأسبّح بحمده، وأتدبّر في خلقه وملكوته. كانت صلاة غير عادية، ليس في عدد ركعاتها ولا في هيئتها، وإنما في ذلك الشعور الذي يعقبها؛ حين يخرج الإنسان من المسجد وروحه أكثر خفة، وقلبه أكثر صفاء، وكأن أثقال الدنيا قد بقيت وراءه عند عتبة الباب.

خرجتُ من المسجد وقد تملّكني، كعادتي بعد مثل هذه اللّحظات الفريدة، شعور بالغبطة والفرح والسعادة. وبينما كنتُ أسبّح في ملكوت الله، خامرتني فكرة أخذت تتّسع في ذهني:

لماذا خلق الله غريزة الجنس بهذه القوة، ثم وضع لها كل هذه الحدود والضوابط؟

كلّما تأمّلتُ فيها، بدا لي أنها واحدة من أقوى الغرائز التي أودعها الله في الإنسان. إنها غريزة فطرية، لا يستطيع الإنسان إلغاءها، ولا يستطيع المجتمع تجاهلها، ولا يمكن للبشرية أن تستمر من دونها.

لقد أودعها الله في المخلوقات لحكمة عظيمة، وفي مقدّمتها حفظ النسل واستمرار الحياة.

ولكن، وكما هو شأن كثير من النّعم والقوى التي أودعها الله في الإنسان، لم يتركها بلا ضابط؛ فالجوع غريزة، لكن الإنسان لا يأكل كل ما تقع عليه يده.. والغضب غريزة، لكن الإنسان لا يحقّ له أن يقتل كل من أغضبه.. وحب المال غريزة، لكن الإنسان لا يباح له أن يسرق ويظلم من أجل المال.

وكذلك الجنس: غريزة قوية، لكنها ليست بلا حدود.

حين تتحوّل الغريزة إلى قوّة مدمّرة
ربما كان الجنس من أخطر الغرائز حين يفقد الإنسان القدرة على ضبطه؛ لأنه لا يتعلق بالفرد وحده، وإنما يمكن أن تمتد آثاره إلى الأسرة والمجتمع والنسل والأخلاق.

ومن هنا نفهم جانبا من الحكمة في التشريع الإسلامي الذي لم ينكر الغريزة، ولم يحاول اقتلاعها من الإنسان، وإنما وضع لها إطارا يحفظها ويحفظ الإنسان معها.

فالزواج هو الطريق المشروع الذي تنتظم داخله العلاقة بين الرجل والمرأة، وتحفظ به الأنساب، وتصان الأسرة، وتتحمل المسؤوليات والحقوق والواجبات.

ولذلك لم يكن التحريم في الإسلام قائما على كراهية الجنس، كما قد يتصوّر البعض، وإنما على تنظيمه وصونه من أن يتحوّل إلى فوضى.

فالشيء إذا كان قويّا، احتاج إلى ضوابط بقدر قوّته.

وهنا تحديدا تكمن أهمية الحدود التي وضعها الإسلام للعلاقات بين الجنسين.

لماذا يضعف الإنسان أمام هذه الغريزة؟
لكن السؤال الذي استوقفني أكثر هو:

لماذا يجد بعض البشر أنفسهم ضعفاء أمام هذه الغريزة، حتى عندما يعرفون عواقب الانفلات فيها؟

ولماذا يبدو بعض الرجال، على وجه الخصوص، أكثر عرضة للانقياد وراء شهواتهم؟

ربما لأن الشّهوة إذا تُركت بلا رقابة داخلية، فإنها لا تكتفي بأن تكون رغبة عابرة، وإنما يمكن أن تتحّول إلى سلوك قهري.

ولهذا لم يكتف الإسلام بمنع الفعل المحرّم، وإنما أقام منظومة كاملة من الضوابط التي تبدأ قبل الوصول إلى الفعل نفسه: كغضّ البصر، والحياء، والحشمة، والعفّة، وتجنّط الاختلاط بغير المحرمين، وضبط العلاقة بين الرجل والمرأة، ثم الزواج باعتباره الإطار المشروع للعلاقة.

فالإسلام لا ينتظر من الإنسان أن يقف على حافة الهاوية ثم يطلب منه ألّـا يسقط؛ وإنما يحذّره من الاقتراب منها.

والحجاب… ليس مجرّد قطعة قماش
ومن هنا نصل إلى مسألة الحجاب ”الذي يسخر منه البعض“.

الحجاب في الإسلام ليس مجرّد تقليد اجتماعي، ولا قطعة قماش فرضها مجتمع ”ذكوريّ“ على المرأة، كما يحاول البعض تصويره. إنه حكم شرعي يتعلّق بالمرأة المسلمة البالغة، وجزء من منظومة الحياء والعفّة التي شرعها الإسلام للرّجال والنّساء معا.

واللّـافت أن الخطاب الإسلامي لا يوجّه الأمر إلى النّساء وحدهن؛ بل يبدأ بالرّجال أيضا بغضّ البصر وحفظ الفرج، ثم تأتي أحكام اللّباس والحشمة للمرأة.

فالمسألة، إذن، ليست اتّهاما للمرأة بأنها مصدر الفتنة، ولا تحميلًـا لها وحدها مسؤولية أخلاق المجتمع، وإنما هي منظومة من المسؤولية المتبادلة.

لكن لماذا تجد بعض المسلمات، خصوصا في زمان الفتن هذا، صعوبة في الالتزام بالحجاب، مع علمهن بمكانته في دينهن؟

قد يكون السبب ضعف المعرفة الدينية، لكن الجهل ليس السبب الوحيد.

فهناك تأثير هائل تمارسه وسائل الإعلام، والأفلام، والإعلانات، والمجلات، ومنصّات التواصل الاجتماعي، الانستغرام والتوك توك.. وصناعة الموضة، التي جعلت من الجسد سلعة قابلة للتسويق، ومن كشفه معيارا للجمال والتحرّر والنّجاح.

وهنا تتحوّل القضية من مجرّد لباس إلى معركة على مفهوم الإنسان نفسه: هل الجسد كرامة ينبغي صونها، أم سلعة يمكن عرضها وتسويقها واستغلالها لجذب الأنظار وتحقيق الأرباح؟

الاختلاط… حين تتغيّر طبيعة المجتمع
ومن الأمور التي أصرّ على التوقّف عندها أيضا الاختلاط بين الجنسين.

ففي التصوّر الإسلاميّ للعلاقة بين الرّجل والمرأة، ليست العلاقة بين الجنسين متروكة بلا ضوابط، بل تحكمها حدود وآداب تحفظ الحياء وتمنع الخلوة والانفلات، وتضع لكل علاقة سياقها وضوابطها.

وقد كان المجتمع الإنساني، بما في ذلك الجزائري، قبل أن تتغيّر أنماط الحياة بفعل التحوّلات الاجتماعية والتعليمية والثقافية، أكثر محافظة، في اللّباس المحترم، و الفصل بين الجنسين في كثير من المجالات.

وقد نشأ جيلي في بيئة كان فيها الحياء قيمة اجتماعية راسخة، وكانت العلاقة بين الرجل والمرأة أكثر تحفّظا مما هي عليه اليوم.

ولستُ هنا أدّعي أن كل اختلاط يؤدي بالضّرورة إلى الانحراف، فالمسألة أعمق من ذلك. لكننّي أرفض أيضا أن يُنظر إلى الاختلاط باعتباره أمرا طبيعيّا لا علاقة له بمنظومة القيم، وكأن التصوّر الإسلامي للعلاقة بين الجنسين لم يكن له وجود أصلًـا.

فالشرع عندما وضع ضوابط العلاقة بين الرجل والمرأة لم يفعل ذلك عبثا.

جيل الاستقلال… وذاكرة لا تزال حاضرة
لقد نشأنا نحن جيل الاستقلال ووجدنا أمامنا مظاهر جديدة لم تكن مألوفة في المجتمع الذي خرج من سنوات الاحتلال.

كانت ”الموضة“ القادمة من الخارج تحمل معها أنماطا جديدة في اللّباس والسلوك. وظهرت، شيئا فشيئا، ملابس مثل «الميني جيب» و«الميكرو جيب»، وبدأ كشف أجزاء من الجسد يقدّم باعتباره عنوانا للأناقة والتحضّر.

وأذكر من أيام الدراسة أن بعض المعلّمات كنّ يرتدين ملابس قصيرة إلى درجة كانت تلفت أنظار التلاميذ وتشتّت انتباههم عن الدرس. وهذه شهادة من الذاكرة، لا حكم على النساء ولا تعميم على المعلّمات.

لقد كنا مراهقين، وكانت غرائزنا في طور التشكّل، ولم تكن عقولنا تملك القدرة على مقاومة كل ما تقع عليه العين.

و مع مرور السنوات، فهمتُ أن التشريع الذي يطالب الرّجل بغض بصره، ويطالب المرأة بالحشمة، ليس تشريعا جاء من فراغ.

إنه يتعامل مع طبيعة بشرية حقيقية.

عندما يصبح الجسد سلعة
لكن ما كان يحدث في الماضي على نطاق محدود، أصبح اليوم صناعة عالمية هائلة.

لقد تطوّرت وسائل الإعلام والتسويق إلى درجة أصبح معها الجسد البشري نفسه أداة للبيع.

صورة امرأة، أو رجل، في إعلان، أو مجلة، أو شاشة، يمكن أن تصبح وسيلة لجذب المستهلك إلى سيارة، أو عطر، أو ملابس، أو منتج لا علاقة له بالجسد.

وهكذا تحوّلت الغريزة التي أودعها الله في الإنسان لحكمة عظيمة إلى رأس مال تجاري تستثمر فيه شركات ومؤسّسات وصناعات كاملة.

والأخطر من ذلك أن بعض هذه الصناعات لا تبيع المنتج فحسب، وإنما تبيع معه نمطا معيّنا من الحياة، ومفهوما معيّنا للجمال والحريّة.. حتى يصبح الإنسان في نهاية المطاف مستهلكا لما يُنتج له، ومطاردا لصورة مثالية لا وجود لها إلّـا على الشّاشات.

أين تقف الحريّة؟
وهنا يحقّ لي أن أسأل:

كيف يمكن لحضارة ترفع شعار الدّفاع عن المرأة وحريتّها أن تسمح في الوقت نفسه بتحويل جسدها إلى سلعة إعلانية؟

كيف يصبح من حقّ المرأة أن تختار، ثم تتحوّل صورتها إلى وسيلة تستخدمها شركات الإعلان لبيع منتجاتها؟

كيف تُدان القيود المفروضة على المرأة باسم الحريّة، بينما لا يُنظر بالجدية نفسها إلى الضغوط التي تمارسها صناعة الموضة والإعلان على المرأة حتى تجعل جسدها جزءا من السوق؟

لا أريد أن أفرض على امرأة لا تُدين بالإسلام أن ترتدي الحجاب.

ولا أريد أن أفرض على مجتمع آخر أن يعيش وفق تصوري الخاص.

لكنني أرفض أن يُقال للمسلمة إن التزامها بالحجاب تخلّف، وإن خلعها له هو وحده دليل التحرّر.

الحريّة الحقيقية هي أن يكون الإنسان قادرا على اختيار ما يؤمن به، لا أن يُجبر عليه.

ماذا حدث لمجتمعنا؟
لقد تأثّر المجتمع الجزائري، مثل غيره من المجتمعات، بما حمله الاستعمار من أنماط ثقافية واجتماعية جديدة، ثم جاءت بعده موجات متتالية من التأثير الإعلامي والثقافي.

وفي مرحلة من المراحل، أصبح بعض مظاهر اللّباس والسلوك القادم من الغرب يقدم تحت عناوين برّاقة مثل: التمدّن.. و العصرنة.. والتحرر.

وهنا وقع الخلط.

فالحداثة ليست كشف الجسد.

والتمدّن ليس التخلي عن الحياء.

والتحرّر ليس التحرّر من كل قيد أخلاقي.

والعلم لا يفرض على الإنسان أن يتخلّى عن دينه.

والتقدّم التكنولوجي لا يحتاج إلى مجتمع بلا قيم.

بل إنني أرى العكس تماما: كلما ازدادت قدرة الإنسان على امتلاك الوسائل، ازدادت حاجته إلى امتلاك الضوابط الأخلاقية التي تمنعه من إساءة استعمالها.

من الغريزة إلى الاختراق
وفي عصر التكنولوجيا، أخذت المسألة أبعادا جديدة.

فالجنس لم يعد مجرّد علاقة بين رجل وامرأة؛ لقد أصبح مادة إعلامية وتجارية ضخمة، وأداة لجذب الجمهور، وتحقيق الأرباح، والتأثير في السلوك.

بل إن استغلال الغرائز يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة للتأثير النفسي والاجتماعي، بل وحتى إلى أداة من أدوات الاختراق والتجسّس والابتزاز في عالم السياسة والصراعات الدولية.

وهكذا نعود إلى السؤال الأول:

لماذا وضع الله لهذه الغريزة حدودا وضوابط؟

ربما لأن الله، خالق الإنسان، أعلم بالإنسان من الإنسان نفسه.

أعلم بقوته وضعفه، برغبته وشهوته، وبقدرته على أن يجعل من أعظم نعمه وسيلة للبناء، أو وسيلة للهدم.

الدِّين ليس عدوّا للحياة
المشكلة أن بعض النخب والمثقفين، ومن بني جلدتنا، ممن ينحدرون من أسر مسلمة أبًا عن جد، أصبحوا ينظرون إلى بعض الأحكام الدينية وكأنها بقايا من عصر غابر.

يحارب بعضهم الحجاب، ويحارب بعضهم مظاهر التديّن، ويعامل بعضهم اللحية وكأنها رمز للتخلف، بينما يُنظر إلى مظاهر العري والانفلات باعتبارها دليلًـا على الحضارة والعصرنة:

أيّ حداثة هذه؟

وهل كل ما يأتي من الغرب حداثة، وكل ما يأتي من تراثنا تخلّف؟

إن الإسلام لا يطلب من الإنسان أن يهرب من الحياة، وإنما يطلب منه أن يعيشها في إطار من المسؤولية.

لم يحرّم الإسلام الزواج، بل نظمه.

ولم ينكر الغريزة، بل ضبطها.

ولم يمنع المرأة من الحياة والعمل والتعلّم، بل وضع لذلك كله منظومة من الأحكام والآداب.

ولم يحارب الجمال، وإنما حارب أن يتحوّل الإنسان إلى سلعة.

العودة إلى السؤال الأول
وأنا أعود الآن إلى اللحظة التي خرجتُ فيها من المسجد بعد صلاة الفجر.

جلستُ أذكر الله، فتذكّرتُ هذه الغريزة التي أودعها الله في الإنسان.

غريزة قوية، عميقة، لا يمكن إلغاؤها.

لكن الله لم يتركها بلا حدود.

وكلما تأمّلتُ الأمر، ازددتُ قناعة بأن التشريع الإسلامي لم يأت ليعذّب الإنسان، وإنما جاء ليحميه من نفسه قبل أن يحميه من الآخرين.

فالإنسان قد يظلم نفسه قبل أن يظلم غيره.

وقد يصبح أسير شهوته قبل أن يصبح أسير أيّ قوة خارجية.

ولهذا كانت العفّة قيمة، وكذلك الحياء، وكان الحجاب حماية للمسملة ولغيرها، وكانت ضوابط العلاقة بين الرجل والمرأة جزءا من منظومة متكاملة، وكان الزواج الطريق المشروع لإشباع الغريزة وحفظ النسل والأسرة.

أما أن نطلق العنان للغريزة، ثم نحاول بعد ذلك معالجة نتائجها بالقوانين والمؤسّسات والأدوية والسجون، فذلك يشبه من يفتح الباب للريح ثم يشتكي من الفوضى التي أحدثتها.

لقد خلق الله فينا الغريزة، لكنه لم يتركنا عبيدا لها.

وهنا تكمن الحكمة.

فالإنسان ليس حيوانا تحكمه الغرائز وحدها، ولا ملاكا منزوع الشّهوة.

إنه إنسان، وهذه هي معركته الكبرى: أن يمتلك شهوته، بدل أن تمتلكه شهوته.

إرسال التعليق