غضب فلاديمير بوتين و نفاذ صبره

غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أكثر خطورة؟

زياد الزبيدي

14 آب أغسطس 2026

في لحظة تبدو فيها الحرب الأوكرانية وكأنها تدخل طورًا نفسيًا وإستراتيجيًا جديدًا، جاءت تصريحات الكولونيل الأمريكي المتقاعد دوغلاس ماكغريغور لتسلط الضوء على سؤال يتردد بقوة داخل روسيا وخارجها: هل تخلت موسكو عن سقف “العملية العسكرية الخاصة” وإنتقلت إلى نمط أكثر حدة واتساعًا في إدارة الحرب؟

المقال الذي نشره الصحفي الروسي سيرغي إيشينكو منذ أسابيع ، تحت عنوان: «لقد نفد صبر الروس.. إنهم غاضبون»، لا يكتفي بعرض تصريحات ماكغريغور، بل يحاول التقاط التحول العميق الذي يطرأ على المزاج الروسي بعد تصاعد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي، وما يرافق ذلك من شعور متزايد بأن الحرب لم تعد محصورة في الجبهة، بل أصبحت تمس الحياة اليومية للمجتمع الروسي نفسه.

من ستاروبيلسك إلى العمق الروسي: الحرب تنتقل إلى الداخل

ينطلق المقال من مأساة مدينة ستاروبيلسك، حيث أدى هجوم بطائرات مسيرة أوكرانية على سكن طلابي تابع لكلية تربوية إلى مقتل عدد كبير من الطلاب القاصرين. ويقدم الكاتب هذه الحادثة بإعتبارها نقطة إنعطاف نفسية داخل روسيا، لا مجرد حادثة عسكرية معزولة.
ويشير المقال إلى أرقام صادرة عن الخارجية الروسية تفيد بأن عدد الضحايا المدنيين داخل الأراضي الروسية منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية أبريل بلغ أكثر من 1700 شخص بين قتيل وجريح، في مؤشر على إتساع نطاق الضربات العابرة للحدود.
ومن هنا يطرح الكاتب السؤال الذي بات يتردد بقوة داخل الأوساط الروسية:
“إلى متى ستواصل موسكو إدارة الحرب بهذه القيود؟”
ويضيف بنبرة تعكس المزاج الروسي المتصاعد: “لماذا لا تزال روسيا تتعامل مع خصم تعتبره وجوديًا، كما لو أنه شعب شقيق ضل الطريق فحسب؟”
هذا السؤال، في جوهره، يعكس الجدل الروسي الداخلي بين تيار يدعو إلى تصعيد شامل ضد البنية التحتية الأوكرانية والداعمين الغربيين، وبين القيادة الروسية التي ما تزال تحاول إبقاء الحرب ضمن سقوف محسوبة تمنع الإنزلاق إلى مواجهة مباشرة مع حلف الناتو.

ماكغريغور: الغرب شريك مباشر في الضربات داخل روسيا

الجزء الأكثر إثارة في تصريحات دوغلاس ماكغريغور يتمثل في إتهامه المباشر للولايات المتحدة بأنها ليست مجرد داعم لأوكرانيا، بل شريك فعلي في تنفيذ الضربات داخل العمق الروسي. فبحسب ماكغريغور: “مسارات وأهداف هذه الطائرات المسيّرة تُحدد بواسطة القدرات العسكرية الأمريكية”.
ويضيف: “الأقمار الصناعية الأمريكية وطائرات الإستطلاع الأمريكية رسمت خرائط المنشآت النفطية والمطارات والبنية العسكرية الروسية”.
هذا الطرح ليس جديدًا بالكامل داخل الخطاب الروسي، لكنه يكتسب أهمية خاصة عندما يصدر عن ضابط أمريكي سابق خدم في مؤسسات البنتاغون.
ويحاول ماكغريغور هنا تثبيت فكرة أساسية مفادها أن الحرب تجاوزت عمليًا الإطار الأوكراني المحلي، وأصبحت مواجهة غير مباشرة بين روسيا والغرب، مع بقاء الولايات المتحدة خلف الستار العملياتي والإستخباراتي.
وفي هذا السياق، يرى أن المزاج الشعبي الروسي بدأ يضغط بإتجاه رد أكثر عنفًا وحسمًا، قائلًا: “الروس يقولون اليوم: كفى. يجب وضع حد سريع لهذا الوضع”.

لماذا لا يصعّد بوتين حتى الآن؟

أحد المحاور المركزية في حديث ماكغريغور يتمثل في تفسيره لإمتناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إتخاذ ما يسميه “الإجراءات الأكثر حسمًا”.
فبحسب رؤيته، فإن موسكو تراهن على تحولات سياسية داخل أوروبا نفسها، بدل الذهاب نحو مواجهة مباشرة واسعة مع الغرب.
ويرى ماكغريغور أن أوروبا تعيش أزمة بنيوية مركبة:
▪️أزمة إقتصادية بسبب الطاقة والتضخم،
▪️أزمة إجتماعية مرتبطة بالهجرة،
▪️وأزمة هوية وثقة بالنخب الحاكمة.
ويعتبر أن هذه التناقضات قد تؤدي إلى إنهيار تدريجي للمنظومة السياسية الأوروبية الحالية، وخاصة في ألمانيا.

ألمانيا في قلب التحول الأوروبي

يمنح ماكغريغور مساحة واسعة للحديث عن ألمانيا، بإعتبارها “المفتاح الحقيقي” لمستقبل العلاقة بين روسيا وأوروبا.
وهو يصف الوضع الألماني بأنه قريب من الإنفجار السياسي، قائلًا: “ألمانيا على وشك أن تثور كبركان”.
ويربط ذلك بصعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” وزعيمته أليس فايدل، التي يقدمها بإعتبارها شخصية قادرة على قلب الإتجاه السياسي الألماني بالكامل.
وبحسب تحليله، فإن وصول فايدل أو تيار مشابه إلى السلطة قد يؤدي إلى:
▪️إعادة فتح قنوات التعاون مع موسكو،
▪️إستئناف تدفق الطاقة الروسية الرخيصة،
▪️والتخلي عن السياسات التصادمية الحالية تجاه روسيا.
ويقول ماكغريغور في هذا السياق: “أول ما ستفعله الحكومة الألمانية الجديدة هو التوجه إلى موسكو والقول: إنتهى الأمر”.
هذا التصور يعكس قناعة متزايدة لدى بعض التيارات الغربية المحافظة بأن الحرب الأوكرانية لن تُحسم عسكريًا، وأن أوروبا ستضطر في النهاية إلى العودة للتفاهم مع روسيا بحكم الجغرافيا والطاقة والإقتصاد.

أوروبا بين الإنهيار والتصعيد

رغم تفاؤله بإمكانية التغيير السياسي في ألمانيا، فإن ماكغريغور يحذر في الوقت نفسه من سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في إقدام روسيا على ضرب أهداف داخل الدول الغربية إذا إستمرت الهجمات على أراضيها.
ويقول بوضوح: “إذا لم يحدث تغيير سياسي قريب في أوروبا، فقد تضرب روسيا منشآت عسكرية أو أهدافًا مهمة في الغرب”.
وهنا يلامس الحديث واحدة من أخطر النقاط في المشهد الدولي الحالي: حدود الصبر الروسي.
فموسكو، بحسب هذا المنطق، قد تعتبر أن إستمرار الضربات داخل العمق الروسي بدعم إستخباراتي غربي يبرر الإنتقال إلى سياسة الردع المباشر ضد البنية العسكرية الغربية نفسها، ولو بصورة محدودة.
لكن ماكغريغور يستبعد في المقابل إنزلاق الولايات المتحدة إلى مواجهة نووية مع روسيا، معتبرًا أن واشنطن لا تملك الإرادة ولا القدرة السياسية لتحمل تبعات حرب شاملة في أوروبا.

إنتقاد مباشر للنخب الأوروبية

يتضمن حديث ماكغريغور أيضًا هجومًا لافتًا على مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس، التي يصفها بأنها نموذج للنخب الأوروبية “غير المتوازنة”، على حد تعبيره.
كما يسخر من منح دول البلطيق الصغيرة تأثيرًا كبيرًا في رسم السياسة الأوروبية تجاه روسيا، معتبرًا أن هذه الدول تدفع القارة نحو مواجهات أكبر من قدراتها الفعلية.
هذا الخطاب يعكس تيارًا أمريكيًا متناميًا داخل الأوساط الواقعية والمحافظة يرى أن أوروبا الحالية تُدار بعقلية أيديولوجية أكثر منها إستراتيجية، وأنها تدفع نحو صدام طويل مع روسيا دون إمتلاك الموارد العسكرية أو الإقتصادية الكافية لذلك.

ترامب وتراجع القدرة الأمريكية

في الجزء الأخير من المقابلة، ينتقل ماكغريغور إلى تقييم الوضع الأمريكي الداخلي، مقدمًا رؤية متشائمة نسبيًا لقدرة الولايات المتحدة على خوض صراعات كبرى متزامنة.
ورغم أن حديثه يتناول دونالد ترامب بإيجابية نسبية مقارنة بالإدارة الأمريكية التقليدية، فإنه يشير إلى أن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة أكثر من مواجهة إستراتيجية كبرى في الوقت نفسه.
ويقول: “الولايات المتحدة لا تستطيع خوض حربين كبيرتين في آن واحد”.
كما يشير إلى أن إستنزاف الترسانة الأمريكية في الشرق الأوسط، إضافة إلى إحتمالات المواجهة مع الصين حول تايوان، يفرضان على واشنطن إعادة ترتيب أولوياتها الإستراتيجية.
وفي هذا السياق، يثني ماكغريغور على تصريحات ترامب التي قال فيها إن الولايات المتحدة “لا تستطيع القتال من أجل تايوان”، معتبرًا أن تجنب الحرب مع الصين هو “أعظم قرار عقلاني يمكن أن تتخذه واشنطن”.

ما الذي تكشفه هذه التصريحات فعلًا؟

بعيدًا عن اللغة الحادة والدرامية التي يستخدمها ماكغريغور، فإن أهمية هذه التصريحات تكمن في أنها تعكس تيارًا متزايدًا داخل الغرب يرى أن: الحرب دخلت مرحلة إستنزاف خطيرة، أوروبا هي الخاسر الإقتصادي الأكبر، والولايات المتحدة لم تعد تملك هامش التفوق المطلق الذي تمتعت به بعد الحرب الباردة.
كما تكشف التصريحات عن تصاعد القلق من إحتمال إنتقال الحرب من نموذج “المواجهة غير المباشرة” إلى مرحلة الضربات المتبادلة بين روسيا ودول غربية بصورة أكثر وضوحًا.
وفي المقابل، تبقى فرضية “التحول السياسي الأوروبي” — وخاصة في ألمانيا — جزءًا من الرهان الروسي غير المعلن على المدى المتوسط، أي إنتظار تغير المزاج الغربي بدل الإنخراط في مواجهة شاملة ومباشرة مع حلف الناتو.

هل إقتربت الحرب من نقطة التحول؟

السؤال الذي يتركه المقال مفتوحًا هو ما إذا كانت موسكو ما تزال قادرة على ضبط إيقاع التصعيد، أم أن الضربات المتزايدة داخل الأراضي الروسية ستدفعها في النهاية إلى تجاوز الخطوط التي إلتزمت بها منذ بداية الحرب.
حتى الآن، يبدو أن الكرملين يحاول الجمع بين أمرين متناقضين:
مواصلة الضغط العسكري لتحقيق مكاسب ميدانية،
وتجنب الإنفجار الكبير مع الغرب.
لكن مع إتساع دائرة الهجمات، وتصاعد الغضب الشعبي الروسي، وتزايد الحديث الغربي عن “إستنزاف روسيا طويل الأمد”، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل لا تزال الحرب الأوكرانية قابلة للإحتواء… أم أن العالم يقترب فعلًا من مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا؟

إرسال التعليق