حرب السنوات الثلاثة منذ بداية طوفان الأقصى
من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
في الشرق الأوسط الجديد، لم يعد السؤال هو: متى تبدأ الحرب؟ بل: متى تنتهي؟ فالحرب التي إندلعت في غزة لم تعد محصورة داخل حدود القطاع، كما أن المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد أزمة دبلوماسية قابلة للإحتواء عبر الرسائل المتبادلة. ما يتشكل اليوم هو مشهد إقليمي تتداخل فيه الجبهات، وتتزامن فيه لغة التفاوض مع صوت القصف، حتى باتت الهدنة نفسها تبدو أحيانًا جزءًا من إدارة الحرب لا نقيضًا لها.
في هذا السياق يأتي مقال الكاتب الأمريكي أندريه ديمون المنشور في موقع «ورلد سوشاليست ويب سايت» بتاريخ 3 آب/أغسطس 2026 تحت عنوان: «إسرائيل تشن مجزرة في غزة، بينما يهدد ترامب إيران بـ”قطع الرأس”»، بوصفه قراءة للمشهد المتشابك الذي يربط بين الحرب في قطاع غزة، والتصعيد الأمريكي تجاه إيران، وإتساع رقعة التوتر في الإقليم.
وبغض النظر عن إختلاف التفسيرات السياسية للأحداث، فإن الصورة العامة تشير إلى حقيقة أساسية: الشرق الأوسط لم يعد يعيش أزمات منفصلة، بل شبكة من الملفات المترابطة التي يؤثر بعضها في بعض، من غزة والضفة الغربية إلى لبنان والخليج.
غزة… الهدنة التي لم تنه الحرب
بعد أشهر من الحديث عن إتفاقات وتهدئات، بقي قطاع غزة ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية. فقد أشار ديمون، مستندًا إلى تقارير وكالة أسوشيتد برس وشبكة الجزيرة، إلى إستمرار الضربات الإسرائيلية التي طالت مناطق سكنية ومنشآت صحية، ومنها مستودعات الأدوية التابعة لمستشفى شهداء الأقصى في دير البلح.
ووصف المدير العام لوزارة الصحة في غزة منير البرش إستهداف مخازن الأدوية بأنه يحوّل «الدواء والمرض نفسه إلى أداة من أدوات الحرب».
في المقابل، تدعي إسرائيل أن عملياتها تستهدف مواقع وعناصر تابعة للفصائل المسلحة، وأن طبيعة القتال داخل مناطق مكتظة تجعل الفصل بين الأهداف العسكرية والبيئة المدنية شديد التعقيد.
لكن خلف إختلاف الروايات، تبقى الحقيقة الإنسانية واضحة: الحرب أنتجت أزمة عميقة جعلت مستقبل غزة مرتبطًا ليس فقط بوقف إطلاق النار، بل بالسؤال الأصعب: ما شكل النظام الأمني والسياسي الذي سيأتي بعد الحرب؟
الضفة ولبنان… من إتساع المواجهة إلى صراع الرسائل الإقليمية
لم تعد تداعيات الحرب في غزة محصورة داخل حدود القطاع. فالضفة الغربية تحولت إلى ساحة تصعيد موازية، مع إستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وإرتفاع مستوى الإحتكاك بين الفلسطينيين والمستوطنين، بما يعكس أن الصراع يتجه نحو مزيد من التداخل الجغرافي والسياسي.
أما لبنان، فقد أصبح أكثر من مجرد جبهة حدودية. فالتصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع الحديث عن قنوات إتصال ومسارات تفاوض بين واشنطن وطهران.
ويرى بعض المحللين أن رفع مستوى التوتر على الجبهة اللبنانية قد يؤثر في البيئة السياسية المحيطة بأي تفاهم أمريكي–إيراني محتمل، سواء عبر زيادة الضغوط على إيران وحلفائها أو عبر إعادة ترتيب حسابات الأطراف المعنية. غير أن تفسير دوافع التصعيد يبقى مسألة معقدة؛ فقد يرتبط بإعتبارات أمنية إسرائيلية مباشرة، أو بحسابات الردع، أو بعوامل سياسية داخلية، وليس بالضرورة بهدف واحد محدد.
لكن المؤكد أن موقع لبنان في المعادلة الإقليمية يجعله ساحة شديدة الحساسية؛ فأي إنزلاق واسع بين إسرائيل و«حزب الله» لن يبقى شأنًا لبنانيًا محضًا، بل قد يتحول إلى عامل مؤثر في توازنات المنطقة بأكملها.
إيران… حين تتحول الضغوط إلى مواجهة
في الجانب الآخر من المشهد، برز التصعيد الأمريكي تجاه إيران بإعتباره العامل الأكثر إثارة للقلق. فقد إستخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجة شديدة الحدة تجاه القيادة الإيرانية، متحدثًا عن «الفرصة الأخيرة» قبل ما وصفه بـ«قطع الرأس».
وردت طهران بالتأكيد أنها لا تجري مفاوضات مباشرة مع واشنطن في الوقت الراهن، ما يعكس إستمرار الفجوة بين الطرفين.
فالولايات المتحدة ترى في الضغط العسكري وسيلة لإجبار إيران على تغيير سلوكها الإقليمي، بينما تعتبر طهران أن هذه الضغوط تستهدف إضعاف موقعها الإستراتيجي ومحاصرة نفوذها.
غير أن الخطر يكمن في أن سياسة الضغط المتبادل قد تخلق مسارًا لا يريده أي طرف بالكامل؛ فالكثير من الحروب الكبرى بدأت نتيجة تراكم خطوات متبادلة وسوء تقدير، لا نتيجة قرار واضح بالذهاب إلى مواجهة شاملة.
هرمز… حيث تصبح الجغرافيا سلاحًا
يبقى مضيق هرمز أحد مفاتيح الأزمة. فهو ليس مجرد ممر بحري لنقل الطاقة، بل نقطة إستراتيجية تؤثر في الإقتصاد العالمي بأسره.
ولهذا فإن أي توتر حوله يتجاوز الخلاف الإيراني–الأمريكي ليصبح قضية دولية ترتبط بأسواق الطاقة وأمن التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، يصبح المضيق أداة ضغط سياسية بقدر ما هو ممر إقتصادي، حيث تتحول الجغرافيا إلى عنصر من عناصر القوة والتفاوض.
شرق أوسط في إنتظار التسوية
تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة تعيش حالة من «إدارة الصراع» أكثر من حلّه. فالمفاوضات مستمرة، لكن العمليات العسكرية مستمرة أيضًا؛ والتهديدات تتصاعد، لكن جميع الأطراف تدرك في الوقت نفسه مخاطر الإنزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
المشكلة الأساسية ليست فقط في إستمرار القتال، بل في غياب تصور سياسي واضح لليوم التالي. فالقوة العسكرية قد تغير موازين مؤقتة، لكنها لا تصنع وحدها إستقرارًا دائمًا.
ومن غزة إلى هرمز، مرورًا بلبنان وإيران، يبدو الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية: إما أن تقود الضغوط المتراكمة إلى ترتيبات سياسية جديدة، أو أن تستمر المنطقة في دائرة من الحروب المؤجلة.
المصدر:
أندريه ديمون، «إسرائيل تشن مجزرة في غزة، بينما يهدد ترامب إيران بـ”قطع الرأس”»، ورلد سوشاليست ويب سايت، 3 آب/أغسطس 2026.



إرسال التعليق