رسالتي الأخيرة إلى التيار الفرنكو-علماني في الجزائر

رهاناتكم خاسرة

رشيد مصباح (فوزي)

*

هناك حقائق لا تحتاج إلى كثير من الجدل، لأن الزمن نفسه يتكفّل بإثباتها. ومن هذه الحقائق أن مكانة أي لغة في العالم لا تُقاس بعدد من يتحدثون بها، ولا بتاريخها الاستعماري أو الثقافي، وإنما بقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وبموقع البلدان التي تحملها في منظومة القوة والإنتاج والمعرفة.

ومن هذا المنظور، أقول للتيار الفرنكو-علماني في الجزائر، وبكل وضوح:

رهانكم على استمرار هيمنة الفرنسية رهان خاسر.

ليس لأن الفرنسية لغة رديئة، ولا لأننا نريد محوها من المجتمع الجزائري، فهذا كلام لا يستقيم. فالفرنسية لغة لها تاريخها وأدبها وثقافتها، ومن حق من يشاء أن يتعلمها ويستعملها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحّول اللغة من وسيلة للتواصل والمعرفة إلى مشروع للهيمنة الثقافية، أو عندما يُراد إقناع الجزائريين بأن مستقبلهم لا يمكن أن يكون إلا عبر البوابة الفرنسية.

لقد تغيّر العالم، بينما ظلّ بعضكم أسير عالم انتهى.

اللغة تتبع القوة
من يتابع مسار اللغات في العالم يدرك أن انتشارها يرتبط، بدرجة كبيرة، بموقع أصحابها في الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا. فاللغة التي تنتج المعرفة وتصدر التكنولوجيا وتملك الشركات والجامعات ومراكز البحث والأسواق، تكتسب بالضرورة نفوذا يتجاوز حدودها الجغرافية.

واليوم، لا يمكن تجاهل حقيقة أن مركز الثقل التكنولوجي العالمي لم يعد فرنسيّا. فالثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبرمجيات، والروبوتات، والمنصات الرقمية، وأغلب الأدوات التي يستخدمها شباب العالم يوميّا، تنتمي إلى فضاء علمي ولغوي تتقدم فيه الإنجليزية بوضوح، إلى جانب صعود لغات آسيوية مرتبطة بقوى اقتصادية وتكنولوجية كبرى.

والنتيجة أن شابّا يريد أن يتعلم البرمجة، أو الذكاء الاصطناعي، أو الأمن السيبراني، أو التقنيات الحديثة، أو يتابع أحدث الأبحاث والدورات العلمية… يجد نفسه أمام واقع لا يمكن إنكاره: وهو أن الإنجليزية أصبحت لغة أساسية للولوج إلى المعرفة العالمية.

وهذا ليس قرارا سياسيّا أصدرته الجزائر، ولا مؤامرة ضد الفرنسية، وإنما هو نتيجة طبيعية للتحوّلات التي عرفها العالم.

حتى الأجيال الفرنكوفونية تغيّرت
المفارقة أن هذا التحوّل لا يخص الجزائر وحدها.

حتى الشباب في البلدان التي تنتمي تقليديّا إلى الفضاء الفرنكوفوني أصبح أكثر انفتاحا على الإنجليزية، بحكم الإنترنت والتكنولوجيا والثقافة الرقمية. فالجيل الجديد لا يعيش داخل الحدود اللغوية التي عاش داخلها آباؤه وأجداده؛ إنه جيل يتابع العالم كله بضغطة زر، ويشاهد المحتوى العالمي، ويستخدم التطبيقات والمنصّات، ويتعلم من مصادر مفتوحة، ويتواصل مع أشخاص من مختلف القارات. ولهذا، فإن محاولة إبقاء هذا الجيل داخل دائرة لغوية مغلقة تشبه محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

الجيل الجديد لا ينتظر من أحد أن يختار له لغته، الحاجة إلى المعرفة هي من تدفعه إلى حيث توجد المعرفة.

الجزائر ليست استثناء
أما الجزائر، فالمشهد أكثر وضوحا؛

لقد ظلّت الفرنسية، لعقود طويلة، حاضرة في قطاعات من الإدارة والتعليم والاقتصاد والإعلام، نتيجة الإرث الاستعماري وسياسات ما بعد الاستقلال. لكن حضورها التقليدي لم يعد يعني بالضرورة أنها لغة الأجيال الجديدة.

فالشاب الجزائري اليوم يعيش في عالم مختلف تماما عن عالم والديه. وهو يتعامل يوميّا مع الهاتف الذكي، والمنصّات الرقمية، والألعاب الإلكترونية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والمحتوى العالمي.

وهذا الشاب يتّجه، بصورة طبيعية، نحو الإنجليزية.

لا يحتاج الأمر إلى قرار سياسيّ حتى يحدث. يكفي أن يفتح هاتفه، أو يبحث عن درس في البرمجة، أو يريد استعمال أداة من أدوات الذكاء الاصطناعي، أو يتابع محتوى علميّا.. ليكتشف بنفسه اللّغة الأكثر حضورا في هذا المجال. لذلك، فإن محاولة إقناع الأجيال الجديدة بأن الفرنسية هي وحدها بوابة الحداثة تبدو اليوم أشبه بخطاب قادم من زمن آخر.

العربية والحداثة ليستا نقيضين
وهنا أصل إلى المسألة التي يبدو أن البعض لا يزال عاجزا عن فهمها: الدفاع عن العربية لا يعني رفض الحداثة.

والتمسّك بالهوية لا يعني الانغلاق.

والاعتزاز بالإسلام لا يعني رفض العلم.

هذه الثنائية المصطنعة هي من أكثر الأفكار التي أضرّت بالنّقاش الجزائري.

الإسلام، في التجربة الحضارية التي أنشأها، لم يكن دعوة إلى العزلة عن العالم، بل كان حافزا على طلب العلم والعمل والعمران. والحضارة الإسلامية في مراحل ازدهارها لم تكن حضارة رهبان منعزلين، وإنما حضارة علماء وأطباء وفلكيين ومهندسين وفلاسفة ومترجمين وأرباب أعمال و تجّار.

لذلك فإن تصوير الإسلام باعتباره نقيضا للعلم أو الحداثة ليس سوى إعادة إنتاج لصورة نمطية قديمة.

أما العربية، لغة الوحي والقرآن، فهي ليست عائقا أمام التقدّم. اللّغة في حد ذاتها لا تمنع أُمّة من أن تتقدّم؛ الذي يمنعها هو ضعف التعليم، وتراجع البحث العلمي، وغياب الإنتاج، وسوء إدارة الموارد، والتخلّف عن ركب التكنولوجيا.

يمكن للجزائري أن يكون عربي اللّغة، مسلم الثقافة، ومنفتّحا في الوقت نفسه على الإنجليزية والفرنسية والصينية واليابانية وغيرها من لغات العالم.

المشكلة ليست في تعدد اللغات، وإنما في تحويل لغة واحدة إلى معيار للتفوّق الاجتماعي والثقافي.

الإسلام لن يُلغى من حياة المجتمع
أما الرّهان على إقصاء الإسلام من المجال العام، أو التعامل معه باعتباره مجّرد شأن فردي لا علاقة له بالهويّة والمجتمع، فهو رهان لا يقلُّ فشلًـا عن الرّهان على استمرار الهيمنة الثقافية الفرنسية.

الإسلام جزء راسخ من تاريخ المجتمع الجزائري ووجدانه وثقافته، كما أن العربية مرتبطة بعمق بهذا التاريخ.

وهذا لا يعني تحويل الدولة إلى فضاء ديني مغلق، ولا يعني فرض تصوّر واحد للتدين على المجتمع، وإنما يعني الاعتراف بحقيقة اجتماعية وتاريخية لا يمكن إلغاؤها بقرار إداري أو بخطاب إيديولوجي.

كما أن الإسلاموفوبيا، أو توظيف صورة الإرهاب لتشويه الإسلام والمسلمين، لن يغيّر حقيقة أن الإسلام حاضر في العالم، وأن أعدادا متزايدة من الناس تتعرّف إليه بعيدا عن الصوّر النمطية التي صنعتها الصّراعات السياسيّة والإعلاميّة.

لا تحاربوا الشعب باسم الحداثة
لقد أخطأ بعضكم عندما جعل من الدفاع عن الفرنسية موقفا من العربية، ومن الدفاع عن العلمانية موقفا من الإسلام، ومن الانفتاح على الغرب موقفا من هويّة المجتمع الجزائري.

الحداثة ليست فرنسيّة.. والعلم ليس فرنسيّا.. والتكنولوجيا ليست فرنسيّة.. ومن حق الجزائري أن يتعلّم الفرنسية، لكن من حقّه أيضا أن يتعلّم الإنجليزية والصينية وغيرها… ومن حقّه أن يعتز بالعربية دون أن يُتّهم بالتخلّف. ومن حقّه أن يعتز بإسلامه دون أن يُصنّف تلقائيّا في خانة التطرّف.

لقد أساء بعض الخطاب الفرنكو-علماني إلى الجزائر عندما حاول أن يجعل من ماضيها الاستعماريّ قدرا لغويّا وثقافيّا لا فكاك منه. لكن الجزائر لا تعيش في الماضي، والجيل الجديد ليس جيلكم.

هذا الجيل ينظر إلى المستقبل
إنه جيل مختلف.

جيل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والخوارزميات، والبرمجة، والمترجمات الآلية، والفضاء الرقمي.

جيل يستطيع أن يتعلّم من جامعة في أمريكا، ويتابع باحثا في الصين واليابان، ويقرأ كتابا من بريطانيا، ويتواصل مع مبرمج في الهند، ويستفيد من محتوى صيني أو كوري، وهو جالس في غرفته بالجزائر.

هذا الجيل لا يرى العالم من خلال نافذة واحدة، هي نافذتكم.

ولذلك لن تستطيعوا إقناعه بأن مستقبله يجب أن يظلّ مرهونا بلغة واحدة أو ثقافة واحدة.

إنه جيل أكثر انفتاحا على العالم، لكنه في الوقت نفسه قادر على إعادة اكتشاف ذاته وهويته بلغته وثقافته.

وهذه هي المفارقة التي يبدو أنكم لم تستوعبوها بعد؛ فكلما اتّسع العالم أمام هذا الجيل، ازدادت قدرته على اختيار ما يناسبه.

كفى رهانًا على الماضي
رسالتي الأخيرة إليكم بسيطة:

كفّوا عن الرّهان على الماضي.

فالفرنسية ستبقى لغة، وستبقى لها مكانتها وأدبها وثقافتها، ومن أراد تعلّمها فله ذلك. لكن زمن تقديمها بوصفها بوابة وحيدة للمعرفة والتمدّن قد ولّى.

والعربية لن تختفي لأن البعض حاول تهميشها.. والإسلام لن يُمحى من وجدان المجتمع لأن البعض أراد تحييده.. والأجيال الجديدة لن تقبل أن تعيش بعقلية القرن الماضي:

لقد تغيّر العالم.. وتغيّرت مصادر المعرفة..وتغيّر مع كل ذلك موازين القوّة.

وتغيّر الجيل.

فغيّروا رهاناتكم قبل أن يغيّركم الزمن.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك