حين تلاحقني الذكرى

حين تلاحقني الذكرى

هل سيأتي يومٌ

تضيع فيه آخر ملامح وجهك بين رحيل الأيام،

وتختلط بملامح الآخرين، يا صديقي؟

تلك البقايا التي ما زالت في قعر حنين ذاكرتي،

ولحن أغنية تشارك عزلتي،

ورسائل كتبتها وأطعمتها لهيب الشموع…

لا شيء منك يعادل لحظةً

نبض فيها الفؤاد بدفئك بين الضلوع.

أنا التي أبقتك حيًّا في روحها،

رغم أنها تمضي كل يوم مثقلةً بما تركته الحياة في قلبها،

تحمل ذاكرتها كما يحمل المسافر حقيبةً

امتلأت بأشياء لا يستطيع تركها خلفه.

أتعلّم، هل تعلم؟

أريد الرحيل إلى مكانٍ لا يعرفني فيه أحد،

مكانٍ لا يسألني من أكون،

ولا يفتّش في عينيّ عن حكاياتٍ أخفيتها طويلًا.

أريد لحظةً هادئة أعود فيها إلى نفسي،

أتخلص فيها من كل ما أصابني وأرهقني،

وأنفض عن ذاكرتي غبار ما مررت به من جراح.

أحتاج مكانًا بعيدًا وهادئًا،

أستجمع فيه شتات روحي،

وأرمم ما تبقى من أحلامي،

ثم أعود لأكمل المسير في هذه الحياة المتعبة

بقلبٍ أقل خوفًا، وذاكرةٍ أقل ازدحامًا.

أريد أيامًا مختلفة،

خالية من الأوجاع التي لا يراها أحد،

أريد وحدتي، وكتبي، وفنجان قهوتي،

وصباحًا لا يحمل لي سوى السكينة.

لم أعد أحتمل سخافة هذا العالم،

ولا كل ما يحدث حولي،

فثمة أشياء كثيرة أتعبت القلب

حتى أصبح الصمت أرحم من الكلام.

ومع ذلك…

ما زال عندي أملٌ بعيد المنال،

أن أصل يومًا إلى شارعنا…

إلى شارع الضباب،

ذلك المكان الذي لم يغادرني رغم أنني غادرته منذ طفولتي

أتخيلني هناك،

أمشي في الطريق الذي حفظ خطواتنا،

وأرفع عيني إلى الأماكن التي خبأت شيئًا من حكايتنا،

ثم أنادي اسمك في داخلي،

لعل خوفي يهدأ،

ولعل المسافة بين الماضي والحاضر

تتوقف للحظة عن إيلامي.

لكنني أعود إلى واقعي،

وأفيق من الحلم من جديد…

فلا الحلم استطاع أن يحتويني،

ولا الواقع استطاع أن يطفئ حنيني إليك.

تركتُ في عالم الذكرى شيئًا مني،

وعدتُ إلى واقعي أحمل ما تبقى من هدوئي،

لكن ذكراك لم تتركني أعود وحدي.

تلاحقني في الطرقات،

في رائحة القهوة،

في أغنيةٍ عابرة،

في كتابٍ أقلب صفحاته،

وفي مساءٍ يشبه مساءاتٍ قديمة.

وكلما خطوت خطوةً إلى الأمام،

وجدتُ أمام عيني ملامحك…

وكأن الذاكرة لا تعرف طريقًا للنسيان.

ربما لا أريد أن أنساك تمامًا،

ربما كل ما أريده أن أتذكر دون أن أتألم،

أن أمرّ على اسمك في ذاكرتي

كما يمر المسافر على مدينةٍ أحبها،

ينظر إليها طويلًا،

ثم يكمل طريقه.

فبعض الأشخاص لا يغادروننا حين يرحلون،

بل يتحولون إلى أثرٍ يسكن الروح،

إلى حكايةٍ لا تنتهي،

وإلى مكانٍ بعيدٍ نعود إليه كلما اشتقنا

إلى نسخةٍ قديمة من أنفسنا.

وأنت…

ربما لم تعد في واقعي،

لكن شيئًا منك ما زال يسكن ذاكرتي،

وكلما ظننت أنني ابتعدت عنك،

اكتشفت أن بعض المسافات

لا تُقاس بالخطوات…

بل بما يظل في القلب

بعد أن ينتهي كل شيء. 

ذكرى البياتي

إرسال التعليق