اللغة الفرنسية في الجزائر… بين ”غنيمة الحرب“ واستكمال الاستقلال
رشيد مصباح (فوزي)
*
عادت قضية اللغة الفرنسية إلى واجهة النقاش في الجزائر من جديد، لكن هذه المرة في سياق سياسي بامتياز. فقد أدت الأزمة المتفاقمة بين الجزائر وفرنسا، المستعمر السابق، إلى تجميد العلاقات بين البلدين، واستدعاء السفراء، وتبادل الاتهامات، بل وامتدت تداعياتها إلى ملفات قضائية مست شخصيات من الجانبين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وفي خضم هذه التطورات، عاد سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة: هل تستطيع الجزائر أن تتحرر نهائيا من الإرث اللغوي الذي خلفه الاستعمار الفرنسي؟
فمنذ الاستقلال، لم تكن اللّغة مجرّد أداة للتواصل أو وسيلة لاكتساب المعرفة، بل كانت جزءا من معركة الهوية الوطنية. ولذلك سعت الدولة، عبر مراحل مختلفة، إلى تعزيز مكانة اللغة العربية، مع الانفتاح تدريجيا على اللغة الإنجليزية، في محاولة للتقليل من الهيمنة التاريخية للفرنسية في الإدارة والتعليم والاقتصاد.
وقد ارتبط هذا المشروع بأسماء شخصيات وطنية آمنت بأن استعادة الاستقلال الثقافي لا تقل أهمية عن استعادة الاستقلال السياسي.
فقد أطلق الرئيس الراحل هواري بومدين مشروع التعريب على مستوى الدولة، وأنشأ سنة 1971 اللجنة الوطنية للتعريب، واضعا نصب عينيه إعادة الاعتبار للغة العربية في الإدارة والتعليم ومختلف مؤسسات الدولة، باعتبارها إحدى ركائز الهوية الوطنية.
وسار على النهج نفسه الأستاذ محمد بن علي، وزير التربية الوطنية سنة 1990، الذي كان من أبرز المدافعين عن تعريب المدرسة الجزائرية، قبل أن يغادر منصبه سنة 1992 عقب قضية تسريب امتحانات البكالوريا، في موقف اعتبره كثيرون دليلًـا على تحمّله لمسؤوليته السياسية.
أما المفكر والوزير مولود قاسم نايت بلقاسم، فقد كان من أبرز الوجوه الفكرية التي دافعت عن التعريب، حتى لُقّب لدى كثيرين بعراب التعريب في الجزائر. وكان يرى أن الاستعمار الفرنسي لم يكتف باحتلال الأرض، بل ترك وراءه منظومة ثقافية ولغوية هدفت إلى إضعاف مقومات الشخصية الوطنية، ولذلك خاض معارك فكرية وسياسية للدفاع عن العربية، في مواجهة تيارات كانت ترى في استمرار هيمنة الفرنسية خيارا أكثر واقعية.
وفي المقابل، برز اتجاه آخر تبنى رؤية مختلفة، استند إلى المقولة الشهيرة التي أطلقها الروائي كاتب ياسين عندما وصف الفرنسية بأنها ”غنيمة حرب“. ولم يكن يقصد بذلك الانتماء الثقافي إلى فرنسا، بل كان يرى أن لغة المستعمر يمكن أن تتحول إلى أداة لإيصال صوت الجزائريين إلى العالم، وإلى وسيلة للمعرفة والانفتاح، دون أن يعني ذلك التخلي عن الهوية الوطنية.
وهكذا لم يكن الخلاف في جوهره بين أنصار العربية وأنصار الفرنسية، بقدر ما كان خلافا حول المكانة التي ينبغي أن تحتلها كل لغة داخل المشروع الوطني الجزائري.
وقد ترك هذا الجدل آثاره في الإدارة والمدرسة والجامعة، بل وفي الحياة اليومية للمواطنين. ففي فترات معينة، أصبح الانتماء اللغوي يُنظر إليه أحيانا باعتباره مؤشرا على الانتماء الثقافي أو الفكري، وهو ما انعكس على كثير من الإطارات والطلبة الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع لم يختاروه.
وأقول هذا عن تجربة شخصية، فقد كنت واحدا من إطارات جيل الاستقلال الذين عاشوا تلك المرحلة بكل تفاصيلها. ولم يكن خافيا ما كان يتعرّض له كثير من الإطارات المعرّبة من نظرة دونية أو سخرية داخل بعض الأوساط الإدارية.
وأتذكر جيّدا اللّقاءات التكوينية التي حضرتُها بمدينة سوق أهراس في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، والتي كان يشرف عليها الدكتور مولود قاسم نايت بلقاسم، رئيس اللجنة الوطنية لتعريب المحيط، المعروفة آنذاك باسم “تعلو”. وكانت تلك اللقاءات مدرسة حقيقية في ترسيخ الثقة باللغة العربية وقدرتها على مواكبة متطلبات الإدارة الحديثة.
ورغم محدودية الإمكانات، ونقص المراجع والوسائل البيداغوجية آنذاك، استطعنا تعريب عدد كبير من الوثائق الإدارية والمالية، من محاضر و مداولات وقرارات وميزانيات وصفقات عمومية، وهي وثائق أصبحت فيما بعد جزءا من العمل الإداري الرسمي.
وقد أثبتت تلك التجربة أن العربية ليست لغة الأدب والشعر وحدهما، كما كان يروّج بعض خصومها، بل هي لغة قادرة على استيعاب العلوم والإدارة والقانون والاقتصاد، شأنها شأن سائر اللّغات الحيّة، متى توفّرت الإرادة السياسية والاستثمار العلمي.
واليوم، وبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال، لم يعد السؤال الحقيقي: هل نختار العربية أم الفرنسية؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نبني سياسة لغوية وطنية متوازنة، تجعل من العربية لغة السيادة والهوية، وتنفتح في الوقت نفسه على الإنجليزية وغيرها من اللّغات العالمية بوصفها أدوات للعلم والتكنولوجيا، دون أن يبقى مستقبل الأجيال رهينة إرث استعماري فرضته ظروف التاريخ؟
فاللّغات في نهاية المطاف أدوات للمعرفة، أما الهوية فهي اختيار حضاري وسيادي، لا ينبغي أن يبقى أسير الأزمات السياسية ولا رهينة الماضي.



إرسال التعليق