الإدمان؛ حرب على الوعي وتهديد لمستقبل الشباب
–
رشيد مصباح (فوزي)
–
رسالتي إلى شباب اليوم؛
لقد خضتُ تجارب مريرة، واكتسبتُ خبرة لا يستهان بها، ولا سيما في المجال النفسي والاجتماعي. لذلك، فأنا أدرك ما أقول، ولا أتحدث من فراغ أو أطلق أحكاما بلا أساس.
قرأنا في سنواتنا الابتدائية قصة الحطّاب الذي التقى الأسد، ملك الغابة، بينما كان يقطع الأشجار ليؤمّن الحطب لأيام البرد القارس. احتدم النقاش بينهما، وادّعى كلٌّ منهما القوّة والأهمية. فاقترح الأسد أن يتصارعا، لتكون المصارعة الفيصل في تحديد الأقوى وملك المخلوقات.
وافق الحطّاب، لكنه طلب من الأسد أن يمهله حتى يعود إلى منزله، بحجّة أنه نسي قوته هناك. كما اقترح أن يربطه بجذع شجرة حتى لا يهرب. استجاب الأسد، فشدّه الحطّاب إلى جذع شجرة كبيرة، ثم تناول غصنا قويّا وراح يضربه ضربا موجعا، حتى لقي الأسد حتفه.
تحمل الحيوانات قوى مختلفة زوّدها الله بها لتتمكّن من التكيّف مع الطبيعة؛ فمنها ما تكمن قوّته في السُّم، كالأفاعي والعقارب، ومنها ما يعتمد على المخالب والأنياب، كالصقور والتماسيح. أما الإنسان، فتكمن قوته الأساسية في عقله.
يتميّز الإنسان عن الحيوان بالعقل، وحين يتعمّد تعطيل هذه النعمة أو تغييبها، فإنه يتنازل بإرادته عن أهم ما يميّزه. ومن هنا، فإن الإدمان على الخمر بمختلف أنواعها، أو على المواد المهلوسة والمخدرات والأدوية ذات التأثير العقلي، يضعف كرامة الإنسان ووعيه، ويدفعه إلى الخضوع للغرائز بدل الاحتكام إلى التفكير والمسؤولية.
تأمّلوا موضع الدماغ لتدركوا قيمة العقل؛ فهو مصدر التفكير وأداة الإدراك واتخاذ القرار. فلماذا يسعى الإنسان إلى تغييب هذا الكنز، أو إلى تعطيل قدرته على الفهم والتمييز؟
قد تبدو التجربة الأولى مع الخمر عابرة أو بريئة؛ فكثيرا ما يكون مذاقها في البداية مرًّا ومنفّرا. لكن تكرارها قد يجعل الشخص يعتادها، ثم يبحث عن الإحساس الذي تسببه من نشوة مؤقتة. والخطر يكمن في أن هذه النشوة ترتبط بتراجع الوعي والقدرة على ضبط السلوك، فتتحوّل التجربة العابرة إلى عادة، ثم إلى اعتماد وإدمان.
وهنا ينبغي التمييز بين الفرح الطبيعي والراحة النفسية من جهة، وبين النشوة المصطنعة الناتجة عن تغييب العقل من جهة أخرى. فالإنسان يستطيع بلوغ السعادة والطمأنينة بوسائل صحية، كالعلاقات السليمة، والعمل والإنجاز، والرياضة، والعبادة، وطلب الدّعم النفسي عند الحاجة، دون أن يدمّر وعيه أو صحته.
وقد وردت في التراث قصة العابد الذي خُيّر بين ارتكاب الفاحشة، أو قتل طفل، أو شرب الخمر، فاختار الخمر ظنّا منه أنه أهون الخيارات، ثم قادته غيبوبة الوعي إلى ارتكاب الجريمة والفاحشة. وتُروى القصة في الحديث الآتي:
«كان رجلٌ ممّن خلا قبلكم تعبّد، فعلِقَته امرأةٌ غويّة، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنّا ندعوك للشهادة. فانطلق مع جاريتها، فطفقت كلّما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأةٍ وضيئة، عندها غلامٌ وباطية خمر. فقالت: إنّي والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمرة كأسًا، أو تقتل هذا الغلام. قال: فاسقيني من هذا الخمر كأسًا. فسقته كأسًا. قال: زيدوني، فلم يَرِمْ حتى وقع عليها وقتل النفس».
ومغزى القصة أن المسكر لا يقتصر خطره على لحظة الشرب، بل قد يزيل الحواجز الأخلاقية والقانونية التي تمنع الإنسان من ارتكاب أفعال خطيرة. لذلك لا ينبغي الاستهانة بأي مادّة تؤثّر في الوعي أو السلوك، مع ضرورة التفريق بين درجات الخطورة وآليات التأثير، وعدم وضع جميع المواد أو الحالات في مرتبة واحدة.
وتختلف خطورة المواد المؤثّرة في العقل بحسب طبيعتها ودرجة الاعتماد عليها وآثارها الصحية والاجتماعية. ومن أخطرها الأدوية التي قد تسبب الإدمان إذا استُعملت خارج الإشراف الطبي أو بجرعات غير مشروعة. فقد تؤدي إلى فقدان السيطرة، وتراجع الحياء والخوف من العواقب، وتحويل الإنسان إلى شخص تحرّكه الاندفاعات والغرائز بدل الوعي والمسؤولية.
وقد انتشرت هذه الظاهرة بين فئات من الشباب بصورة مقلقة، الأمر الذي يجعلها خطرا حقيقيّا على الأفراد والأسر والمجتمعات. ومن ثمّ، ينبغي على الدول أن تتعامل معها بجديّة قبل استفحالها، من خلال الوقاية المبكّرة، والعلاج، والتوعية، ومكافحة الاتّجار غير المشروع، بدل الاكتفاء بالعقاب بعد وقوع الضرر.
وعلى الدولة الجزائرية أن تتعامل مع هذه الآفة بحزم ومسؤولية، من دون تقصير أو استهانة. فمواجهة الإدمان لا تتحقّق بالحلول الأمنية وحدها، مهما كانت أهميّتها، لأن المشكلة ذات أبعاد صحية ونفسية واجتماعية واقتصادية أيضا. كما ينبغي التحقيق في شبكات الترويج والاتجار، وملاحقة الجهات التي تستغل حاجة الشباب أو هشاشتهم، مع احترام القانون وحقوق الأفراد.
ومن الإجراءات الضرورية في هذا المجال:
- إنشاء آليات دقيقة لجمع البيانات، بالتنسيق بين المؤسسات الصحية والأمنية والاجتماعية، مع احترام الخصوصية.
- رصد انتشار المواد المخّدرة والمؤثّرات العقلية بطريقة علمية، بعيدا عن الإشاعات والمبالغات.
- سنّ قوانين واضحة وصارمة ضد الاتّجار والترويج، من دون محاباة أو تمييز.
- توفير مراكز علاج وتأهيل متاحة، تحفظ كرامة المدمن وتساعده على التعافي بدل وصمه اجتماعيا.
- دعم الأسر وتدريبها على اكتشاف العلامات المبكّرة للإدمان وطلب المساعدة.
- تعزيز التوعية في المدارس والجامعات وأماكن العمل، بلغة واقعية لا تقوم على التخويف وحده.
- توفير بدائل إيجابية للشباب، مثل الرياضة والثقافة والتكوين المهني والأنشطة التطوّعية.
- تقييم السياسات باستمرار، وقياس نتائجها بدل الاكتفاء بإصدار القوانين.
ويمكن التأسّي بتجربة الولايات المتحدة مع حظر الكحول في ثلاثينيات القرن العشرين، فينبغي الاستفادة منها، لا باعتبارها نموذجًا قابلًا للنسخ الكامل. فقد أظهرت تلك التجربة أن المنع وحده، إذا لم يُدعَم بالرقابة الفعالة والتوعية والعلاج ومعالجة أسباب الطلب، قد يؤدي إلى تنامي السوق السوداء وازدهار التهريب والجريمة المنظمة.
إن حماية شباب اليوم لا تكون بتخويفهم أو إدانة المدمنين، بل بتزويدهم بالمعرفة، وتقوية قدرتهم على اتخاذ القرار، وتوفير بيئة أسرية ومجتمعية آمنة، وفتح أبواب العلاج أمام من وقع في الإدمان. فالعقل نعمة، وحمايته مسؤولية فردية ومجتمعية، ومكافحة المخدرات والمؤثّرات العقلية واجب تشترك فيه الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسّسات الصحية والدولة.



إرسال التعليق