هرمز في حسابات الردع القسري: من الضربات التحتية إلى الحسم البري
د. حسام البدري
في مشهدٍ يتجاوز حدود التهديد التكتيكي إلى فضاء إعادة تشكيل البنية الإقليمية، يتبدّى الخطاب الصادر عن دونالد ترامب بوصفه إعلانًا ضمنيًا عن انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية الإكراه الشامل. فالتلويح بضرب البنى التحتية الإيرانية، مقرونًا بمهلة زمنية محدودة لفتح مضيق هرمز، لا يعكس مجرد تصعيد ظرفي، بل يعيد إنتاج منطق “الصدمة والترويع” الذي وسم العقيدة العسكرية الأمريكية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
التقارير المتقاطعة، كما أشارت منصات بحثية وإعلامية مثل Axios وReuters، ذكرت أن طهران بدأت في تفعيل قنوات الوساطة مطالبةً بوقف العمليات، في إشارة إلى إدراكها لخطورة الانزلاق نحو مواجهة متعددة المستويات. غير أن هذا المسار التفاوضي يصطدم بجدار الإرادة الأمريكية التي لم تُظهر، حتى الآن، قابلية للانخراط في تهدئة، بل تبدو أقرب إلى استثمار لحظة الاختلال لفرض وقائع ميدانية جديدة.
وإذا كان الأداء العملياتي الأمريكي يبدو، في ظاهره، متذبذبًا وغير منتظم، فإن هذا التباين يمكن مقاربته بوصفه انعكاسًا لتعقيد بيئة العمليات وتعدد مسارح الاشتباك، لا غيابًا للرؤية الاستراتيجية. إذ تشير الخبرة المتراكمة إلى نمط عملياتي يقوم على التمهيد الناري واسع النطاق، يعقبه حسم سريع في نطاق جغرافي محدد ضمن أطر تحالفية، حيث تُدار لحظة القرار السياسي بدرجة محسوبة من المرونة. كما يظهر هذا النسق في سياقات لاحقة عبر توظيف اعتبارات أمنية كبرى لتأطير عمليات إعادة تشكيل البنى السياسية للدول المستهدفة ضمن أطر شرعية دولية.
كما في الحرب على أفغانستان 2001، فقد تجلّى التناقض بين التفوق العسكري والارتباك الاستراتيجي بأوضح صوره، إذ نجحت واشنطن في إسقاط النظام بسرعة، لكنها أخفقت في بناء نظام مستقر، ما أفضى إلى انسحابٍ أعاد إنتاج المشهد الأولي. هذه النماذج الثلاثة تكشف عن ثبات “اتجاه البوصلة” الأمريكية نحو إسقاط الأنظمة غير المتماهية مع رؤيتها، حتى وإن اختلفت أدوات التنفيذ.
وفي السياق الراهن، تبرز مؤشرات على نية توسيع نطاق العمليات لتشمل السيطرة على نقاط استراتيجية، مثل جزيرة خارك، التي تمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد الإيراني. إن استهداف هذه الجزيرة، إلى جانب تعطيل منشآت الطاقة، يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”استراتيجية الإظلام البنيوي”، التي تهدف إلى شلّ الدولة وظيفيًا وإدخالها في حالة من الانهيار المتدرج.
هذا النمط من الضغط يجد له جذورًا في تجارب تاريخية أخرى، لعل أبرزها أزمة الصواريخ الكوبية 1962، حيث تم توظيف الحصار البحري كأداة لإجبار الخصم على التراجع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. كما يمكن استحضار تجربة العقوبات والضربات المحدودة ضد يوغوسلافيا خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي مهّدت لتفككها وإعادة تشكيلها سياسيًا.
إزاء هذا المشهد، تقف إيران أمام مفترق استراتيجي حادّ: إما القبول بتسوية غير متكافئة تُفضي إلى تقليص سيادتها وإعادة تعريف دورها الإقليمي، أو الانخراط في مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدودها الجغرافية لتشمل شبكة حلفائها الإقليميين. غير أن كلا الخيارين يحمل في طياته تهديدًا وجوديًا لبنية النظام، سواء عبر تآكل شرعيته في حال الاستسلام، أو عبر استنزافه في حال المواجهة.
إن الرهان الأمريكي، في جوهره، لا ينحصر في تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك “المعنى السياسي” للنظام الإيراني. فإما أن يتحول إلى كيان فاقد للقدرة على الفعل المستقل، أو أن ينهار تحت وطأة الضغوط المركبة. وفي هذا الإطار، تغدو الحرب أداة لإعادة إنتاج النظام الدولي وفق منطق الهيمنة، حيث لا تُقاس النتائج فقط بالسيطرة على الأرض، بل بإعادة تشكيل الإدراك الجمعي للفاعلين السياسيين.
هكذا، يتكثف المشهد في معادلة تتجاوز الثنائية التقليدية بين الحرب والسلم، لتدخل في فضاء “اللايقين المنظّم”، حيث تُدار الأزمات بوصفها أدوات لإعادة هندسة الواقع، لا مجرد أحداث طارئة. وبين تصاعد الإكراه وتآكل الخيارات، تبدو طهران أمام اختبار تاريخي يعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن لنظام سياسي أن يعيد تعريف ذاته تحت الضغط، أم أن منطق القوة سيظل هو الحاكم النهائي لمسارات التحول؟



إرسال التعليق