حرب المهووسين فوق أنقاض العالم
د. محمود عباس
حرب المهووسين فوق أنقاض العالم
العالم لا يُدار اليوم بعقول سياسية متزنة، بل بإرادات متضخمة تبحث عن إشباع ذاتها، ولو على حساب تدمير ما تبقى من توازن. هذه ليست مبالغة بل توصيف لمرحلة، حيث لم تعد الحرب استثناءً في السياسة، بل امتدادًا لاختلالها.
الحرب الجارية لم تكن مجرد صراع عابر في سجل النزاعات الدولية، بل بدت كواحدة من أكثر الحروب غرابةً وقذارةً في التاريخ الحديث، لا لأنها فقط تُدار بأدوات تدمير غير مسبوقة، بل لأنها تُقاد بعقليات مأزومة، تتقاطع فيها نزعات الهيمنة مع اختلالات نفسية وسياسية عميقة. في ذروتها، لم تكن سوى مواجهة بين أنظمة مأزومة في بنيتها، مأهولة بقيادات تتصرف وكأنها تعالج أزماتها الداخلية عبر إشعال العالم من حولها؛ من دونالد ترامب إلى بنيامين نتنياهو، إلى قادة إيران، وبعض الأنظمة العربية السنية، وصولًا إلى فلاديمير بوتين.
بدا المشهد أقرب إلى صراع إرادات مريضة منه إلى توازنات سياسية عقلانية، وكأن العالم أُحيل إلى عيادة مفتوحة، لكن المرضى هم من يديرونها، ويكتبون وصفات الحرب بأنفسهم. وهنا تكمن المفارقة، لم تعد المشكلة في وجود الحروب، بل في طبيعة من يقررونها.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن هذه الحرب لم تكن انعكاسًا لجنون السلطة فحسب، بل مرآة لوباء نفسي أوسع، تسلّل إلى قطاعات من المجتمعات نفسها، حيث لم يعد العنف يُرفض بقدر ما يُعاد تفسيره، ولم تعد الكارثة تُدان بقدر ما يُعاد تبريرها إن أصابت “الآخر”. وهنا تتحول المجتمعات من ضحايا إلى شركاء صامتين في إنتاج المأساة، لا بدافع القناعة دائمًا، بل أحيانًا بدافع التكيّف مع واقع فقد معاييره.
إسرائيل، في هذا السياق، لم تكن تخفي ارتياحها الضمني لمشهد الاستنزاف المتبادل، فهي تدرك أن كل ضربة لا تُضعف إيران وحدها، بل تُفكك ما تبقى من بنية إقليمية مأزومة أصلًا. إنها لحظة نادرة في الحسابات الاستراتيجية، حيث تتحقق الأهداف ليس عبر القوة المباشرة فقط، بل عبر ترك الخصوم يستهلكون أنفسهم.
في المقابل، بدت الأنظمة السنية في المنطقة، العربية والتركية، وكأنها تراقب المشهد بحذر بارد، تدرك مخاطره، لكنها لا تخفي ارتياحها لتآكل خصمها الإقليمي. وهنا يتداخل السياسي بالتاريخي، حيث لا يُدار الصراع فقط وفق حسابات اللحظة، بل وفق تراكمات طويلة من التوترات المذهبية والذاكرة غير المحسومة.
أما القيادات الشيعية، وفي مقدمتها إيران، فقد تعاملت مع الصراع بوصفه امتدادًا لسردية تاريخية مركبة، تختلط فيها الرمزية الدينية بالحنين الإمبراطوري. وهنا يتحول الصراع من كونه نزاعًا سياسيًا إلى محاولة لإعادة تعريف المكانة والدور، ولو عبر أدوات مدمرة.
الولايات المتحدة، وتحديدًا إدارة دونالد ترامب، بدت وكأنها تعيد تعريف أدوات الهيمنة، بالانتقال من الاقتصاد إلى القوة المباشرة، حين لم تعد أدوات الضغط التقليدية كافية لتحقيق الأهداف. هذا التحول لا يعكس فقط سياسة خارجية، بل يكشف عن أزمة أعمق في تصور الدور الأمريكي ذاته.
روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، رأت في هذا التصعيد فرصة لإعادة ترتيب التوازنات الدولية، مستفيدة من انشغال الغرب وتصدّع تحالفاته. في مثل هذه اللحظات، لا تتحرك القوى الكبرى بدافع الأخلاق، بل بدافع الفرص.
أما الصين، فقد التزمت صمتًا محسوبًا، مدركة أن الفوضى العالمية، رغم مخاطرها، تفتح أبوابًا اقتصادية واسعة. فالحروب لا تنتهي عند الدمار، بل تبدأ بعدها مرحلة إعادة البناء، وهي مرحلة لا تقل أهمية في حسابات القوى الصاعدة.
أوروبا، من جهتها، بدت الأكثر ارتباكًا، إذ وجدت نفسها بين كلفة الحرب وخطرها، دون امتلاك أدوات حاسمة للتأثير. فهي تدفع ثمنًا لا تملك قرارًا كاملًا في صناعته، وهي إحدى مفارقات النظام الدولي المعاصر.
هكذا، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين دول، بل فضاءً مفتوحًا تتقاطع فيه العقد النفسية مع الحسابات السياسية، والتاريخ مع الحاضر، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد صراع جيوسياسي. إنها أزمة في فهم القوة، وفي تعريف الشرعية، وفي قدرة الإنسان على التمييز بين ما يمكن تبريره، وما يجب رفضه.
وربما الحقيقة الأكثر إزعاجًا ليست أن العالم يقترب من حافة الانهيار، بل أن كثيرين باتوا يتعاملون مع هذا الانهيار وكأنه مسار طبيعي، لا خلل يجب تصحيحه.
أما السؤال الذي يبقى معلّقًا، فهو ليس من سينتصر في هذه الحرب،
بل: كم من الخسارات ستُسمّى لاحقًا انتصارات، فقط لأن أحدهم امتلك القوة لكتابتها كذلك.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق