إسرائيل وإيران..ولعبة جر الحبل في الشرق الأوسط.

محمد حسن الساعدي

يشهد الشرق الأوسط اليوم واحدة من أكثر لحظاته توترًا منذ عقود، حيث لم يعد الصراع بين إيران وإسرائيل مجرد حرب ظل أو ضربات محدودة، بل تحول إلى مواجهة علنية تحمل في طياتها خطر الانزلاق نحو حرب شاملة قد تغيّر ملامح المنطقة بأكملها.

ملف النووي الإيراني يمثل عقدة أساسية في هذا الصراع، إذ ترى واشنطن أن امتلاك إيران للتكنولوجيا النووية يهدد أمن المنطقة والعالم، بينما تعتبره طهران حقًا سياديًا. العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة شكلت أداة ضغط رئيسية، وأدت إلى أزمات داخلية في إيران، لكنها لم تدفعها إلى التراجع عن سياساتها الإقليمية.

الخليج العربي ظل الساحة الأكثر حساسية، حيث تتكرر حوادث احتجاز ناقلات النفط والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي للطاقة العالمية، بالإضافة الى أن العراق وسوريا واليمن تحولت إلى ساحات نفوذ غير مباشر، حيث تدعم إيران جماعات مسلحة، بينما تسعى واشنطن إلى تقليص هذا النفوذ عبر تحالفاتها الإقليمية مع دول الخليج وإسرائيل.

في لعبة شد الحبل هذه، تحاول واشنطن إبقاء إيران تحت ضغط دائم عبر العقوبات والوجود العسكري المكثف، بينما ترد إيران بسياسة “الصبر الاستراتيجي” مع رسائل قوة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، لتؤكد قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها.

إسرائيل ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا، فصعّدت من هجماتها على مواقع تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل إيران وخارجها. في المقابل، تؤكد طهران أن تطوير قدراتها الدفاعية حق مشروع لا يمكن التنازل عنه، معتبرة أن الضغوط الغربية والإسرائيلية تهدف إلى حرمانها من أدوات الردع الاستراتيجي. وبين هذا وذاك، يقف العالم أمام معادلة معقدة: كيف يمكن منع اندلاع حرب قد تهدد أمن الطاقة العالمي وتستدعي تدخلات دولية متشابكة؟

الولايات المتحدة تقف بوضوح إلى جانب إسرائيل، وتقدم لها الدعم العسكري والسياسي، فيما تحاول روسيا استغلال الأزمة لتعزيز نفوذها في المنطقة عبر تقديم نفسها كوسيط أو لاعب بديل. أما الدول العربية، فتتباين مواقفها بين من يقترب أكثر من تل أبيب ضمن تحالفات أمنية جديدة، ومن يراقب بحذر خوفًا من أن تتحول أراضيه إلى ساحة صراع بالوكالة.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في احتمال اندلاع الحرب، بل في غياب أي أفق سياسي يعيد المفاوضات النووية إلى مسارها الصحيح. فكل يوم يمر دون حل يزيد من احتمالية أن تتحول شرارة صغيرة إلى حريق كبير. إيران تراهن على طول النفس واستنزاف قدرات إسرائيل عبر فتح جبهات متعددة، بينما تراهن الأخيرة على تفوقها التكنولوجي والدعم الغربي، لكنها تواجه في الوقت ذاته معضلة داخلية: هل يستطيع المجتمع الإسرائيلي تحمّل حرب طويلة متعددة الجبهات؟

القوى الإقليمية، خصوصًا دول الخليج وتركيا، تتابع المشهد بقلق بالغ، مدركة أن أي حرب شاملة ستعني اضطرابًا في أسواق الطاقة وتهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل ليست مجرد صراع عسكري، بل هي معركة على هوية المنطقة: هل ستظل تحت المظلة الأمريكية والغربية، أم ستشهد صعود محور جديد تقوده إيران وحلفاؤها؟

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تنجح القوى الكبرى في فرض تهدئة مؤقتة تحفظ ماء وجه الطرفين، أو أن ينزلق الصراع إلى حرب شاملة تغيّر موازين القوى والتحالفات الدولية. وفي كل الأحوال، يبقى المواطن العربي هو الخاسر الأكبر، إذ يدفع ثمن هذه الصراعات من أمنه واقتصاده واستقراره.

ترامب ونتنياهو لن يكتفيا بالحرب على إيران، وأن إضعاف إيران ليس إلا بداية لمشروع “إسرائيل الكبرى” ضد المنطقة بأسرها، وهذا ما تؤكده التنبؤات التي ذكرها القرآن الكريم بأن اليهود (إسرائيل) والنصارى (أمريكا) لن يرضوا عنكم حتى تتبعوا ملتهم: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، وهذا ليس خاصاً بإيران فقط، بل هو قانون إلهي عام.

الشهيد آية الله خامنئي كان يسير على طريق يجب أن يستمر، وعدم وجوده الجسدي لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام المسار التاريخي لمواجهة الظلم العالمي، كما ان الانتهاك المتكرر لأبسط قواعد القانون الدولي من قبل ترامب سيدفع العالم نحو وحشية ستكون، بالنظر إلى تطور تكنولوجيا العنف، أشد إيلاماً بكثير من العصور الوسطى، لان كل من يتهاون في هذه المرحلة من التاريخ في غضبه واستنكاره تجاه المجرمين، سيستيقظ تحت أحذيتهم.

المستقبل يبدو محكومًا بتوازن هش، إذ يبقى خيار التفاوض مطروحًا لتجنب مواجهة شاملة، لكن احتمالات التصعيد قائمة إذا استمرت المواجهات غير المباشرة وتزايدت الاستفزازات في الخليج، والأرجح أن يستمر الوضع على شكل لعبة شد الحبل، حيث لا يريد أي طرف الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكن كلاهما يسعى لفرض شروطه على الآخر.

إرسال التعليق