حياة.. بلا أنين
حياة.. بلا أنين
كنتُ أحيا بالأمل الممزوج بالأسى.
قد تظنه خلطة غير متجانسة، لكنها تحاكي حياة البشر:
حنينٌ وشوق.. وألمٌ ودموع.
هي الحياة في صورتها تحاكي أحوال الجو والأرصاد:
صحوٌ تنتعش له الروح،
وأجواءٌ تلبسُ الغيوم والتروع.
تحاكي زهوَ الشباب، وعجزَ الشيخوخة المتأخرة.
كنتُ أنظر وأنتظر..
أتأملُ وأسهو في غيابٍ طويل،
لا أصدقُ الحال الذي بات يئنُّ من الصور.
فأغيب في سهوٍ عميق،
أنتظرُ وخزَ الإبر كي تعيد الوعي،
كي أُعبِّدَ الحضور بين الأنام.
يهمس في أذني صوتٌ خافتٌ حزين،
يخفي الدموع في الجفون المتعبة،
أتعبها التحليق في الأفق.
يهمس في أذني مُشفقاً،
فأحاول حمل نفسي حياءً من مُشفقٍ يريد إفاقتي من نومي العميق.
يحدثني بحنانٍ وألحان:
“لا يدوم.. لا يبقى..”
أحاول فكَّ شفراتها، أفكُّ ألغازها:
لا يدوم الضعف.. لا يدوم الأنين..
ولا يبقى الضعيفُ أبدَ الدهر ضعيفاً!
سرى في جسمي نبضُ الحياة،
وعادت لروحي إشراقتها الباهية،
عاد يقيني.
ومع ارتعاشة الضياء الأولى في عيني،
أدركتُ أنَّ كلَّ ليلٍ -مهما طال عسَسُه- هو في الحقيقة مخاضٌ لفجرٍ قادم.
لم تكن الغيوم إلا ستاراً يُهيئ الأرض لغيثٍ يحيي مواتها،
ولم يكن الأنينُ إلا صرخةَ ميلادٍ لإرادةٍ أصلب.
نظرتُ إلى الأفق البعيد، فلم أرَ سراباً،
بل رأيتُ خطوط الشمس وهي ترسمُ طريقاً جديداً:
طريقاً لا تكسره العواصف، بل تزيد من عنفوان خطاه.
فمضيتُ وقد غسلتُ قلبي بنور اليقين،
مؤمناً أنَّ القوة لا تُولد إلا من رحم الانكسار،
وأنَّ أجمل النسائم هي تلك التي تأتي بعد العواصف الرعدية.
يخطفها الطير
تنهيها الفرائس و الجوارح
تحاول فك نفسها من شراك الصياد
تبحث عن بصيص أمل يجدد فيها الروح
يبعث في شرايينها نبض الحياة
تصرخ فلا يسمع صراخها
تنادي فلا يجيب النداء
تمشي على أشواك الزمان حافية
والجرح في قدميها يروي الطريق
لكنها كلما سقطت نهضت
وكلما كُسر جناحها استعادت صفاء النية
تعلم أن الفجر لا يأتي إلا بعد أن يئن الليل
وأن العُقاب لا يحلق إلا في أقسى العواصف
يا أمةً صاغها التاريخ من نار ويقين
لا تخافي من غدر الرياح
فالطير حين يخطفك إنما يخطف جسداً
أما الروح ففي السماء تعرف طريقها
أما المجد ففي العظام يولد من جديد
فانهضي ولو على ركبة
واصرخي ولو بصوتٍ خافت
فالنهضة تبدأ حين يظن الجميع أن القبر قد انسدّ ثم تتفجر الحياة من تحت الرماد
الأستاذ حشاني زغيدي



إرسال التعليق