ما الذي ينتظر القضية الكوردية في ظل صعود المشروع الإسلامي في سوريا؟

د. محمود عباس

شريحة من شعبنا الكوردي تتقدمهم مجموعة من المثقفين، لا تُدرك بعد ما الذي سيحدث حين تثبت الحكومة السورية الانتقالية أركان حكمها، وتتحرر من ضغوط المرحلة الانتقالية والتوازنات المفروضة عليها. نحن لا نتحدث عن واقع اليوم، ولا عن لحظة تفاوض عابرة، بل عن الغد، حين تصبح الشريعة الإسلامية، وفق تأويلات فقهية محددة، مستندة إلى تراث ابن تيمية، هي المرجعية الوحيدة التي تُدار بها الدولة والمجتمع، وحين تتحول السلطة إلى منظومة مغلقة لا تحتاج إلى شريك، ولا تعترف بوجود منافس.

في تلك اللحظة، لن نكون أمام نظام سياسي يمكن احتواؤه أو التأثير فيه، بل أمام مشروع أيديولوجي يرى في نفسه امتدادًا للحقيقة المطلقة، ويمنح ذاته شرعية دينية تتجاوز كل أشكال المساءلة. هنا، لا يعود الخلاف سياسيًا، بل يتحول إلى اعتراض على الشريعة نفسها، أي إلى مواجهة مع المقدس، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام التكفير والإقصاء.

القضية الكوردية، ضمن هذا الإطار، لن تُطرح كقضية شعب له حقوق قومية، بل ستُعاد صياغتها داخل مفهوم “الأمة الإسلامية”، حيث لا مكان لهوية قومية مستقلة. سيُنظر إلى اللغة الكوردية كثقافة هامشية، وإلى المطالب القومية كخروج عن وحدة الأمة، وربما كتمرّد على الشريعة. وهنا، يتحول الحق إلى شبهة، والمطالبة به إلى تهمة.

سنكون أمام فرضٍ ممنهج لهيمنة ثقافية، تُقدَّم فيها العربية، بوصفها لغة النص الديني، كلغة عليا، وتُدفع اللغات الأخرى إلى الهامش، وخاصة اللغة الكوردية لأنها اللغة الثانية في سوريا. ولن يكون هذا خيارًا ثقافيًا بريئًا، بل جزءًا من تصور فقهي يرى في التماثل شرطًا للوحدة، وفي الاختلاف تهديدًا يجب ضبطه أو إلغاؤه.

أما على المستوى الاجتماعي، فسيُعاد تشكيل المجتمع الكوردي وفق تأويلات فقهية ضيقة، تُفرض فيها أنماط سلوكية لا تنتمي إلى بيئته التاريخية. ستُراقب تفاصيل الحياة اليومية، من لباس المرأة إلى شكل الاحتفالات، ولن يكون مستغربًا أن تُستهدف مناسبات قومية كعيد نوروز، وتُعاد قراءتها خارج سياقها بوصفها “بدعًا” أو “ممارسات غير منسجمة مع الشريعة”، في إطار سعي منهجي لتفكيك الخصوصية الثقافية. وربما كطقس “كفري”، في سياق تحويل الهوية الكوردية نفسها إلى حالة مشكوك في مشروعيتها.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن هذا المسار لا يتغذى فقط من قوته الذاتية، بل أيضًا من أخطاء خصومه. فهناك من أبناء شعبنا من يندفع نحو هذا النموذج، لا اقتناعًا به، بل كرهاً بالنظام المجرم البائد، أو رفضًا لتجربة الإدارة الذاتية ومنهجية “الأمة الديمقراطية”. غير أن هذا الاندفاع، في جوهره، لا يمثل خروجًا من الأزمة، بل انتقالًا منها إلى شكلٍ آخر أكثر خطورة.

ذلك أن منهجية “الأمة الديمقراطية”، رغم خطابها المختلف، لا تبتعد في بنيتها العميقة عن المنهجية الإسلامية في نقطة جوهرية، كلاهما يتجاوز مفهوم القومية، بل يعمل، كلٌ بطريقته، على تذويبها. الأولى تفعل ذلك باسم “الأممية الديمقراطية” العابرة للهويات، والثانية باسم “الأمة الإسلامية” التي تبتلع كل ما دونها. وفي الحالتين، يُعاد تعريف الكوردي كمكوّن ضمن كلٍّ أكبر، لا كشعب له حقه في تقرير مصيره.

هذه الجدلية ليست جديدة؛ فقد وُجه النقد ذاته إلى النظرية الشيوعية التي سعت إلى القفز فوق المرحلة القومية، معتبرةً إياها طورًا عابرًا نحو الأممية. غير أن ما يجب إدراكه هو أن الإسلام السياسي سبق هذه الطروحات بقرون، وقدم نموذجًا أمميًا دينيًا في زمنٍ لم تكن فيه القومية قد تبلورت كنظرية، لكنها كانت حاضرة في الوجدان واللغة والانتماء.

من هنا، فإن التناقض بين “الأمة الديمقراطية” و” الأمة الإسلامية” ليس تناقضًا في النتائج، بل في المرجعيات والأدوات. فكلا المشروعين، حين يُطبَّقان في الواقع، يُفرغان الهوية القومية من مضمونها السياسي، ويحولانها إلى حالة ثقافية قابلة للاحتواء أو الإلغاء.

غير أن هذا التقاطع السياسي يخفي تضادًا اجتماعيًا حادًا؛ فبينما تدّعي “الأمة الديمقراطية” نموذجًا اجتماعيًا منفتحًا يعيد تعريف العلاقات داخل المجتمع، يفرض الإسلام السياسي نموذجًا مغلقًا يستند إلى تأويلات فقهية تضبط تفاصيل الحياة اليومية. وهنا، لا يكون الصراع بينهما على السلطة فقط، بل على شكل المجتمع ذاته.

رغم أن النتيجة قد تبدو متشابهة، من حيث تهميش البعد القومي وتغييب الحق في تعريف الذات سياسيًا، إلا أن الفارق الجوهري يتكشف عند التدقيق في البنية النظرية والتطبيق العملي لكل منهما. ففي ظل “الديمقراطية العابرة للقوميات” يبقى هناك، نظريًا على الأقل، اعتراف بالقوميات ضمن إطار الدولة الديمقراطية، حتى وإن جرى احتواؤها أو تقييدها. أما في ظل “وحدة الأمة الإسلامية”، فإن القوميات لا تُحتوى، بل تُعاد صياغتها أو تذويبها داخل مركز واحد، هو العربية، بوصفها لغة النص والفقه والشريعة.

وهنا لا تعود العربية مجرد لغة، بل تكتسب شبه قداسة بحكم اتصالها بالنص المؤسس، لتتحول إلى معيار تُقاس عليه الشرعية والمعنى. وفي هذا السياق، يُدفع بالكوردي، في الواقع الفعلي، إما إلى التكيّف داخل هذا الإطار عبر التنازل عن خصوصيته اللغوية والثقافية، أو إلى موقع الهامش بوصفه خارج المركز الذي يُنتج المعنى والشرعية.

وهنا يكمن جوهر المأساة، حين يُستبدل إقصاءٌ بإقصاء، وتُستبدل هيمنة بهيمنة، لا يكون الشعب قد تحرر، بل انتقل من شكلٍ من التهميش إلى شكلٍ أعمق وأكثر رسوخًا. وعندما يستقر هذا النظام، لن يكون هناك مجال لإعادة التقييم، لأن كل اعتراض سيُفسَّر بوصفه خروجًا على الشرعية الدينية ذاتها.

إن ما ينتظرنا ليس مجرد تحوّل سياسي، بل محاولة لإعادة تشكيل هوية المجتمع الكوردي من جذورها. والسؤال لم يعد: ماذا سنكسب؟ بل، هل سنبقى كما نحن، أم سنُعاد صياغتنا وفق نموذج لا يعترف بنا أصلًا؟

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك