حسابات البقاء بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وإيران

سمير عادل

العالم يحبس أنفاسه، عالقًا بين فكّي كماشة، والجميع على مركب واحد. وهنا نقصد بالعالم الرأسمالي بشقَّيه: القديم، الذي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية الحيلولة دون انهياره وترسيخ زعامتها عليه، والعالم الجديد، الذي تتطلع الصين وروسيا إلى صياغته، وهو عالم متعدد الأقطاب كما تُسمّيه.

للوهلة الأولى، ساد تصور أن غزو روسيا لأوكرانيا ستضع العالم على شفا حرب عالمية ثالثة، إلا أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، التي تفاجأ بتداعياتها الجميع، هي الأخطر على العالم، سواء على الصعيد الأمني والعسكري أو على الصعيد الاقتصادي.

في غزو العراق واحتلاله، انضمت ثمانٍ وأربعون دولة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان قرار الحرب خارج إطار موافقة مجلس الأمن، كما يحدث اليوم في الحرب على إيران. وكانت كل من بريطانيا وبولندا وإسبانيا وإيطاليا، وهي دول أعضاء في حلف الناتو، إلى جانب أستراليا واليابان، من الدول الفاعلة بالمشاركة في القوات القتالية أو بتقديم الدعم اللوجستي. أما اليوم، فتحاول أوروبا النأي بنفسها عن هذه الحرب الوحشية الدائرة في الشرق الأوسط. وليس هذا فحسب، بل إن حلف الناتو نفسه، الذي يشكل الأوروبيون أغلبية أعضائه، يقف متفرجًا على ما تؤول إليه الأوضاع، وأبعد من ذلك تصرحان فرنسا وألمانيا على لسان مسؤوليها: بشكل متكرر ان هذه الحرب ليست حربنا.

تقع أوروبا في مأزق سياسي واقتصادي كبير؛ فهي تحاول أن تسلك طريقًا مغايرًا، وأن تضع علامات فاصلة عند مفترق الطرق مع الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد مؤتمرين متتاليين لميونخ الامني في العام المنصرم، وهذا العام، رفعت أمريكا قضية “الطلاق” عن أوروبا. وسواء على لسان جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي في العام الماضي، أو ماركو روبيو في هذا العام، فإن الولايات المتحدة ماضية نحو تحقيق شعار “أمريكا أولًا”.

في الأزمة الأوكرانية، التي عمّقت من أزمات أوروبا، ولعبت فيها الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن دورًا مفصليًا في تفجّر الحرب المستمرة منذ أربع سنوات، تتنصل اليوم الإدارة الأمريكية منها، بل وأكثر من ذلك، لم تعد تعتبر روسيا عدوًا كما ورد في الاستراتيجية الأمريكية للبيت الأبيض وأكدت عليها استراتيجية البنتاغون. وفي المقابل، تحاول أوروبا أن تسلك طريقًا آخر دفاعًا عن مصالحها؛ إذ توجهت إلى الصين لعقد اتفاقات اقتصادية، وامتنعت عن المشاركة في مجلس السلام العالمي في غزة الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما أنها اليوم لا تحرك ساكنًا ولا تنجرّ إلى ما تعتبره خداعًا من إدارة ترامب في ما يتعلق بالدفاع عن مضيق هرمز، على الرغم أنه مصدر أساسي لها من الغاز القطري والنفط الخليجي بعد فرضها للعقوبات على الطاقة الروسية والامتناع عن التزود بها.

في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية فرض الإذعان على أوروبا عبر خنق مصادر الطاقة عنها. وتجد أوروبا، وبخاصة الاتحاد الأوروبي الذي تقوده فرنسا وألمانيا—حيث تمتلك الأولى السلاح النووي، فيما تمثل الثانية أقوى اقتصاد في القارة—نفسها في مأزق سياسي كبير. فهي ليست جاهزة للوقوف بحزم في مواجهة الحرب المستعرة في أوكرانيا، أو حتى لوقف تدحرج “كرة الثلج” الروسية، كما أنها غير قادرة على تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم، والتي تنعكس بوضوح على القدرة الشرائية لمجتمعاتها، خاصة لدى الطبقة العاملة وعموم الأقسام الاجتماعية الاخرى.

تحاول أوروبا مقاومة الضغوط الأمريكية للمشاركة في الحرب عبر حلف الناتو، متذرّعةً بأن الحرب الدائرة اليوم شُنّت خارج إطار القانون الدولي، وأن الناتو حلفٌ دفاعي لا يمكنه خرق هذا القانون، على حدّ زعم إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، وكير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، مؤكّدين أنهم لن يذهبوا إلى حدّ فتح مضيق هرمز.

غير أن الحلف سبق أن شنّ حملة عسكرية على كوسوفو عام 1999 خارج إطار القانون الدولي، كما قاد تدخلًا عسكريًا عام 2011 لإسقاط نظام القذافي خارج أوروبا. ورغم وجود قرار من مجلس الأمن الدولي آنذاك تحت عنوان “حماية الشعب الليبي”، فقد منح الحلف لنفسه صلاحيات أوسع، وتجاوز حدوده الجغرافية، مقدّمًا نفسه بوصفه مدافعًا عن حقوق الإنسان.

على العموم، لا تستطيع أوروبا تتحمل تداعيات الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة، وهي تدرك أن انتصار واشنطن في هذه الحرب يعني دفع اوربا لتقديم تنازلات تمس أمنها واقتصادها واستقلالها في اوكرانيا، وربما لصالح روسيا أيضًا. وفي الوقت ذاته، لا تبدو قادرة على الانخراط في حرب إيران، في ظل عدم تصفية حساباتها بعد في الحرب الأوكرانية، التي تركتها الولايات المتحدة الى مصير مجهول. خاصة يصف الرئيس الأمريكي بأن الحلف الناتو الذي يمثل درع اوروبا امام روسيا نمرا من ورق، وانه لن ينسى موقفه بعدم دعمه للحرب على ايران، وانه يفكر بالانسحاب منه.

إلا أن هذه ليست كل اللوحة؛ أوروبا تفتقر إلى المبادرة بسبب انعدام الآفاق السياسية لديها. فهي لا تستطيع أن تفرح إذا انتصرت إيران في هذه الحرب—وفق المعيار السياسي، أي بقاء النظام في إيران من دون، على الأقل، تغيير سلوكه وفصله عن روسيا والصين- كما لا تفرح إذا انتصرت الولايات المتحدة الأمريكية، التي ستخنق أوروبا وتفرض عليها مزيدًا من التراجع فتجعلها هامشية وخارج حسابات الولايات المتحدة، لتغدو حالها كحال بقية الدول التي لا حول لها ولا قوة في ميزان القوى العالمي.

الأطراف المتحاربة في معركة وجودية:

ليس أمام النظام السياسي في إيران—بالمعنى العقائدي والسياسي، والمنهجية التي بُني عليها منذ سبعة وأربعين عامًا—إلا الصمود وعدم تقديم أي تنازلات أمام الولايات المتحدة الأمريكية. وقد علمتنا تجربة الحرب العالمية الثانية أن النظام السياسي الذي قاده هتلر لم يقدم أي تنازلات حتى سقوط برلين وانتحار هتلر والدائرة الضيقة المحيطة به. إنه السيناريو نفسه الذي نشاهده اليوم في إيران. إنّ نظام الجمهورية الإسلامية، وعلى خلاف أدواته من الميليشيات في العراق ولبنان والمنطقة التي تطرح الصراع بوصفه دفاعًا عن الدين والمذهب، أدخل مقولة “الفدائي” في خطابه السياسي بهدف تعبئة الداخل الإيراني، عبر العزف على الوتر القومي واستمالة حتى بعض التيارات السياسية المعارضة، لجرّ جماهير إيران إلى حربه، بعد أن لم يعد الخطاب الديني والمذهبي يؤدي وظيفته التعبوية المطلوبة.

وقد بيّنت التجارب أن العزف على الوتر القومي والوطني هو الأكثر نجاعة، منذ صعود التيارات البرجوازية وترسيخ نظامها الرأسمالي، في تعبئة الجماهير واستخدامها وقودًا للحروب. وبهذا، تتأكد صحة ما ذهبنا إليه سابقًا، من أن النظام السياسي-الجمهورية الاسلامية يمثل سياسيا برنامج ورؤية البرجوازية القومية الايرانية ذات طموح وتطلعات توسعية، وأنه يشكّل امتدادًا لنظام الشاه، ولكن بلباس أيديولوجي هو الإسلام، بما يسهّل اختراقه والتسلل إلى المنطقة.

ومن خلال هذه الرؤية، يمكن القول إن إيران-الجمهورية الاسلامي تسعى إلى توسيع رقعة الحرب في المنطقة؛ بل إن هناك تحليلات سياسية من بعض الأوساط الغربية تشير إلى احتمال ان تقدم إيران نحو غزو بري لعدد من دول الخليج، بهدف وضع العالم على شفا حرب لا تُحمد عقباها. لذلك ليس هناك فسحة للتفاؤل من المفاوضات- التي إلى الآن تجري مفاوضات من اجل الاتفاق على الدخول في المفاوضات بين الجانب الأمريكي والإيراني في باكستان، وبغض النظر عن كل التصريحات التي يدعيها الرئيس الأمريكي.

وبالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، تُعد هذه حربًا مصيرية؛ ففي حال عدم قدرتها على تحقيق انتصار سياسي على إيران—أي تغيير سلوكها وإدخالها في الفلك الأمريكي—فإن ذلك يعني تراجعًا للولايات المتحدة إلى الخلف-انظر المقال -سيناريوهات الهزيمة-، وإضافة منافس جديد إلى ساحة التنافس الدولي، إلى جانب الصين وروسيا، وهو أوروبا التي بدأت تعد خسائرها السياسية والاقتصادية، وتلمّ شتات نفسها، وتضمد جراحها، لتنهض من جديد من ركام العالم القديم.

في خضم هذا الصراع والحرب الرجعية الدائرة، التي تشنّها الولايات المتحدة الأمريكية بمعية دولة مارقة ونازية بامتياز، قادتها ملطخة بدماء جماهير الفلسطينيين، ومتهمة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومطلوبة أمام المحكمة الجنائية الدولية، -وبغض النظر عن ماهية النظام السياسي الحاكم في ايران الذي يعتبر اكثر الأنظمة وحشية ودموية عرفتها البشرية في العصر الحديث وتختبئ تحت عباءة شعارات الدفاع عن الشعب الفلسطيني ومقاومة الشيطان الاكبر- تدفع جماهير المنطقة، بما فيها إيران، ثمنًا باهظًا من أمنها وسلامتها واستقرارها ومعيشتها. كما تدفع الطبقة العاملة في العالم فاتورة هذه الحرب من قدرتها الشرائية ورفاهها الاقتصادي والاجتماعي. ويعلو ضجيج الأكاذيب والخداع، وتُنشَر الأوهام، وترتفع أصوات العزف على مختلف أوتار الخرافات الدينية والطائفية والقومية، لتغذية الحروب والصراعات التي تدرّ الأرباح على حسابات الشركات الرأسمالية، من جيوب العمال والكادحين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك