حربٌ ترفض ان تنتهي

‏محمد النصراوي

‏التقديرات الأمريكية الأولية التي بنيت على خبرة عقود من الاشتباك مع إيران ووكلائها، لم تكن مجرد حسابات خاطئة بقدر ما كانت انعكاساً لعقلية استراتيجية تؤمن بأن الردع السريع والحاسم هو السبيل الوحيد لإنهاء طموحات طهران، فمع بدء التصعيد الأخير راهنت واشنطن على ما يمكن تسميته بحرب خاطفة أو ضربة محدودة قاسية، مع إفتراض أن طهران “التي تدرك تماماً الفارق التكنولوجي والعسكري” ستُردع بضربات موجعة، قبل أن تتحول المواجهة إلى مستنقع طويل الأمد، يبدو أن مخططي البنتاغون ومستشاري الأمن القومي نسوا او تناسو أن قواعد الحرب في الشرق الأوسط قد تغيرت، وماكان يؤخذ سابقاً بضربة خاطفة يتطلب اخذه اليوم حرب استنزاف طويلة، وهي حروبٌ أتقنتها إيران عبر عقود من تجربة الوكالة والتمدد.

‏اليوم، وبعد تجاوز المواجهات شهرها الأول بلا هوادة، يمكن القول بثقة إن مفهوم الحرب الخاطفة قد واجه مصيراً مشابهاً لمفاهيم سبقته؛ فقد تحولت الضربات المحدودة إلى مواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات، وتجاوزت الأطر الزمنية التي وضعتها مراكز الدراسات الغربية، فما كان يُظن أنه جولة جديدة في صراع قديم، تحول إلى مرحلة تحمل ملامح حرب إقليمية مفتوحة، ليس فقط بسبب تعنت الأطراف الأساسية، إيران وأميركا وإسرائيل، بل لأن الجغرافيا المكانية والسياسية للمنطقة انتفضت بقوة لترسم خريطة قتال جديدة لم تكن في الحسبان.

‏لعل أبرز ما يميز هذه المرحلة عن سابقاتها هو اتساع رقعة المواجهة بشكل غير مسبوق، لم تعد ساحات القتال محصورة في الحدود الفلسطينية أو اللبنانية بل امتدت لتشمل أطرافاً إقليمية كانت حتى الأمس القريب تعتبر خارج دائرة الصراع المباشر، هذه السعة الجغرافية الجديدة لم تأتِ من فراغ بل هي نتاج طبيعي لاستراتيجية الجبهات الموحدة التي بناها الحرس الثوري الإيراني على مدار السنوات الماضية، فإيران التي أدركت أنها لا تستطيع مجاراة القوة الأميركية أو التفوق العسكري الإسرائيلي في مواجهة مباشرة، راهنت على توسيع الدائرة لتشتيت القدرات وإطالة أمد الصراع إلى الحد الذي يصبح فيه مكلفاً للغاية للقوى الكبرى.

‏وفي هذا التوسع الجغرافي، يبرز التدخل اليمني كعامل حاسم ومفاجئ، ربما يكون الأكثر تعقيداً في المعادلة العسكرية الحالية، فما كان يُنظر إليه تقليدياً كجبهة ثانوية أو ضغط هامشي تحول إلى لاعب رئيسي قادر على فرض إيقاعه على الأجندة الدولية، لم تعد جماعة الحوثي مجرد أداة ضغط حدودية بل أصبحت تمتلك القدرة على توجيه رسائل استراتيجية إلى المجتمع الدولي عبر تهديد الملاحة في باب المندب.

‏هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، لم يعد آمناً كما كان، التهديدات التي استهدفت السفن، سواء كانت مرتبطة بإسرائيل أو حتى تلك التي تحاول الإبحار تحت حراسة التحالفات الدولية، نقلت الصراع من خانة المواجهات العسكرية إلى خانة تهديد الاقتصاد العالمي، وهنا تكمن العبقرية الإيرانية (إن جاز التعبير) في إدارة الصراع؛ فإذا نجحت بتحويل البحر الأحمر إلى مسرح إضافي للعمليات فستكون قد أجبرت واشنطن وحلفاءها على خوض معركة من نوع مختلف؛ معركة دفاع عن حرية الملاحة، وهي معركة لا يمكن حسمها بغارات جوية ولا حتى بقواعد بحرية مؤقتة.

‏هذا التطور تحديداً هو الذي جعل من المستحيل الحديث عن تسوية دبلوماسية قريبة، فالواقع الجديد يفرض نفسه بقوة، فطالما أن اليمن قادر على إغلاق باب المندب أو تهديده وأذرع إيران الأخرى في العراق ولبنان قادرة على استهداف القواعد الأميركية، فإن طهران تشعر أنها تمتلك أوراق ضغط لا تجعلها مضطرة للجلوس إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، بل على العكس تماماً، أصبحت طهران تنظر إلى هذه الجبهات المتعددة باعتبارها خطوط دفاع متقدمة تساهم في تخفيف الضغط على حدودها.

‏من هنا، نجد أن الأهداف التي رسمتها القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة، لم تتحقق بالسرعة المطلوبة، إن لم نقل إنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية حتى الآن، التصعيد المستمر الذي تعيشه المنطقة لا يُظهر أي بوادر تراجع بل يتجه نحو مزيد من التمدد، فكل ضربة أميركية تهدف إلى قطع الأيدي الإيرانية في اليمن أو لبنان تقابلها ردة فعل تظهر في مكان آخر أو باستخدام وسائل قتالية أكثر تطوراً.

‏لقد نجحت إيران في تحويل الصراع من حرب أهداف محددة زمنياً وجغرافياً إلى معادلة إرهاق طويلة الأمد، هي تراهن على أن المجتمعات الغربية والدولية التي لم تعد تملك نفس الصبر الاستراتيجي الذي كانت تملكه في حقبة الحرب الباردة سوف تدفع قادتها نحو البحث عن مخارج سريعة حتى لو كانت هذه المخارج تعني القبول بنفوذ إيراني معزز في المنطقة، وفي المقابل تقف إسرائيل وأميركا أمام اختبار صعب فإما القبول بحرب استنزاف مفتوحة على كل الجبهات، وهو ما يخدم الاستراتيجية الإيرانية، أو المخاطرة بتصعيد شامل قد يقود إلى حريق إقليمي لا يمكن السيطرة على أبعاده.

‏ما نشهده اليوم هو تجسيد حي لفشل نظريات الردع السريع أمام تعقيدات المنطقة التي لم تعد تحتمل قراءات أحادية الأبعاد، فالمواجهة التي كانت متوقعة أن تكون خاطفة أصبحت اختباراً لصبر القوى الكبرى وقدرتها على إدارة صراع متعدد الجبهات، ومع استمرار تمدد رقعة الحرب لتبحر من مياه هرمز الى مياه باب المندب، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار التصعيد واتساع دائرة الاشتباك في غياب أي أفق سياسي قريب، مما يعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار طويل الأمد ستكون تكلفتها باهظة على الجميع، باستثناء من يتاجرون بالفوضى لصنع النفوذ.

إرسال التعليق