حين كانت البيوت من طين والقلوب من نار
“بيوت من طين” لسمير إسحق.. حين كانت البيوت من طين والقلوب من نار
تقدم رواية «بيوت من طين» للكاتب الأردني سمير إسحق صورة نابضة عن مدينة المفرق في خمسينيات القرن الماضي، حيث تتحوّل البلدة الصغيرة إلى عالم كامل من العلاقات والهوية والتحولات السياسية والاجتماعية. في هذا العمل السردي، لا يكتفي الكاتب بتسجيل المكان بوصفه خلفية للأحداث، بل يجعله كائنًا حيًّا يتنفس عبر تفاصيل الشوارع والبيوت والأسواق والناس، لتبدو الرواية كأنها “سيرة مكان” بقدر ما هي سيرة شخوص ينحتهم الزمن والذاكرة معًا.
تقع الرواية الصادرة حديثًا عن “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن في 150 صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع على مشاهد وسرديات تلتقط نبض الحياة اليومية وتحوّلات الوعي السياسي والاجتماعي في الأردن والمنطقة، مع حضور واضح للهمّ القومي العربي، وظلال فلسطين، والجدل الفكري بين القوميين والشيوعيين، في مرحلة كانت تشهد تصاعد أحلام الوحدة العربية، ثم انكساراتها المتتابعة. ويتكئ الكاتب في بنائه الروائي على ذاكرة جمعية، وعلى تفاصيل دقيقة تمنح النص طابعًا وثائقيًّا وإن ظل متحققًا في شكل روائي مشوّق.
من الصفحات الأولى، يضعنا الراوي داخل المفرق بوصفها مدينة تتكون من فسيفساء بشرية وثقافية؛ بلدة تتجمع فيها العائلات من مناطق متعددة، وتمتدّ فيها الطرق باتجاه سورية والعراق وعمان وإربد، وتتشكل حياتها حول محطات بعينها؛ التل القديم، الكنائس، الجامع الكبير، ومحطة سكة الحديد، حتى تبدو المدينة مثل نقطة التقاء بين الجغرافيا والقدر.
يقول الكاتب في افتتاحية الرواية وهو يرسم المشهد العام للمكان: «تتناثر بيوت الطين في كل مكان؛ حارة حارة… غير بعيدة عن محطة سكة الحديد… البلدة الصغيرة منذ الأربعينيات وهي تنمو بسكانها ومساحتها… يعمل أكثر سكانها بالتجارة«.
هذا الاستهلال لا يكتفي بتحديد البيئة، بل يفتح الباب لتلقي الرواية بوصفها سردًا عن مجتمع يتغير بصمت، فيما تظل البيوت الطينية علامة على زمن كامل، وعلى هشاشة الحياة وصلابتها في آن واحد.
وتتعمّق الرواية في تقديم المكان ليس من زاوية عمرانه فقط، بل من زاوية التعايش والتنوّع الاجتماعي، إذ يقدّم الكاتب المفرق بوصفها مدينة “من كل حديقة وردة”، على حد تعبير إحدى الشخصيات. في مشهد حواري لافت، يصف الكاتب فيه جمال البلدة وبساطتها، ويرسم الإحساس الداخلي بالمكان من خلال حديث رمزي وأمير: «أكثر البيوت مبنية الطين، ولكنها تبدو جميلة، ومرتبة»، ثم يضيف أمير في وصف طبيعة السكان: «شايف هذا الشارع؟ اسمه شارع الرشيد، تسكنه عائلات من كل مناطق الأردن، نعم فيها من الشمال ومن الجنوب، وكمان من فلسطين، ومن المغرب وسورية وشيشان، وكذلك تعيش فيها قبائل بني حسن«.
في هذا المشهد، تتضح إحدى الأفكار الجوهرية في الرواية: أن المدينة ليست حدودًا جغرافية، بل نسيج إنساني يُبنى بالتجاور والتآلف، وأن “الهوية” في المفرق كانت تتشكل من تعدد الأصول لا من انغلاقها.
ومن أهم مسارات الرواية الجوهرية أيضًا حضور السياسة بوصفها جزءًا من يوميات الناس لا مجرد خلفية بعيدة. فالمفرق في الخمسينيات تبدو مركزًا حساسًا للحراك الحزبي بين الشيوعيين والبعثيين والقوميين، إضافةً إلى صعود موجة الإعجاب بجمال عبدالناصر بعد حرب السويس والوحدة بين مصر وسورية. ويبلغ هذا المسار ذروته في جلسات حوارية داخل بيوت البلدة، حيث تتلاقى الأحلام الكبرى مع لغة الناس البسيطة. في أحد المشاهد التي تستعيد لحظة الأمل بالوحدة العربية، يقول أبو خليل مخاطبًا الشباب: «إنني أرى وحدة العرب أصبحت قريبة، فوحدة سورية ومصر ستكون المثال الأعلى الذي ستتبعه بقية الدول العربية«.
ثم يأتي السؤال الطبيعي من شوقي، الشيوعي، حول مصير الاشتراكية، فيرد أبو خليل بمنطق المرحلة: «المهم الآن تثبيت الوحدة، فأعداء الوحدة… الرجعية العربية ستحارب هذه الوحدة لأنها خطر عليهم«.
في هذا الحوار لا يسجّل الكاتب موقفًا سياسيًّا مباشرًا بقدر ما يلتقط طبيعة التفكير الشعبي وتداخل الأيديولوجيا بالحياة اليومية، وهو ما يجعل الرواية وثيقة سردية عن المزاج العربي في تلك المرحلة.
ولا تتوقف الرواية عند لحظة الحلم، بل تلاحق ارتدادات الانكسار حين تتبدّد مشاريع الوحدة، لتظهر الأسئلة المرّة حول مستقبل العرب والتآمر الداخلي والخارجي.
في أحد المقاطع الحوارية التي تحمل صدى المرحلة، يقول سمير إسحق على لسان أمير: «الآن كل رئيس وملك يخاف أن يفقد كرسيه، ولهذا تآمروا على الوحدة وأسقطوها، وهذه رغبة الدول الغربية. وشعارهم (فرّق تسد)«.
هنا تتجلى الرواية كمرآة للوعي الجمعي، إذ لا تُقدّم السياسة بوصفها حدثًا بعيدًا، بل بوصفها مكوّنًا يعيد تشكيل العلاقات والآمال والخيبات داخل البيوت الصغيرة ذات الجدران الطينية.
وعلى المستوى الإنساني، تمنح الرواية مساحة واسعة للعاطفة والحنين وروابط الأسرة، بحيث يوازن الكاتب بين العام والخاص، وبين التاريخ الخارجي والتاريخ الشخصي للأفراد. ومن المشاهد الدافئة التي تبرز هذا البعد مشهد استقبال الأم لابنها بلهفة ولهجة محبة صافية، إذ تقول: «لقد اشتقت إليك يا نور عيوني، الدار بلاك ما بتساوي شي»، فيرد: «لقد اشتقت إليك يا أمي، كم أنا سعيد برؤيتك!«.
هذه اللمحات لا تُسرف في الرومانسية، لكنها تشدّ القارئ إلى دفء العلاقات في مجتمع يبدو بسيطًا، لكنه غني بتعقيداته الداخلية.
وفي المحصلة، تُنجز «بيوت من طين» وظيفة الرواية كما ينبغي؛ أن تجعل القارئ يرى زمنًا مضى كأنه حاضر، وأن تفتح له نافذة على مدينة أردنية تتشكل بين الطين والريح، وبين الأحلام القومية والهموم اليومية. إنها رواية عن مكان يتغير، وعن بشر يصنعون حياتهم بين السياسة والعمل والحب والأسرة، وعن ذاكرة لا تزال تحتفظ برائحة الياسمين في شوارع المفرق. وفي كل ذلك، يتجلّى صوت الكاتب وهو يكتب بتفصيل وحميمية، لتبقى “البيوت من طين” رمزًا لمرحلة كاملة، لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة والانفعال والدهشة.
يذكر أن سمير إسحق كاتب أردني مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، صدرت له عن “الآن ناشرون وموزعون” مجموعة من الأعمال الأدبية: حكايات شارع البلدية (2025)، بائعة الزهور (2024)، وجع من الماضي (2023)، وغيوم بلا مطر (2018).



إرسال التعليق