مستقبل الشرق الأوسط بعد حرب ايران
هل تقود الحرب إلى التفاوض أم إلى إعادة رسم التوازنات؟
لم يعد من الممكن قراءة الأزمات الدولية المعاصرة بمنطق الحروب الكلاسيكية التي تنتهي بانتصارٍ حاسم أو هزيمةٍ واضحة. فالنظام الدولي، منذ نهاية الحرب الباردة، دخل مرحلة جديدة تُدار فيها الصراعات لا بهدف الحسم، بل بهدف إعادة تشكيل التوازنات. وفي هذا السياق، لا يُعدّ التصعيد بين أمريكا وإيران، مؤشرًا على الانفجار الوشيك بقدر ما هو أداة تفاوض غير مباشرة، تُستخدم لفرض شروط سياسية قبل الجلوس إلى الطاولة.
تصريحات دونالد ترامب المتضاربة، التي تجمع بين التهديد بالدفع نحو المواجهة، والتلميح إلى إمكانية الحوار، لا يمكن فهمها خارج هذا الإطار. فهي لا تعكس ارتباكًا بقدر ما تعبّر عن نموذجٍ في إدارة الأزمات يقوم على رفع سقف التهديد لخفض سقف التنازلات لدى الطرف المقابل. هذا النموذج ليس جديدًا؛ بل هو امتداد لما عُرف في أدبيات الحرب الباردة بسياسة “حافة الهاوية” أي الاقتراب من الانفجار لتجنّب الحرب، التي استخدمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لفرض التوازن دون الانزلاق إلى مواجهة نووية مباشرة.
لقد تجلّى هذا المنطق بوضوح في أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين وصل العالم إلى حافة الحرب النووية، قبل أن تُفضي الضغوط المتبادلة إلى تسوية غير معلنة أعادت رسم خطوط الردع بين القوتين. كما ظهر لاحقًا في التعامل مع كوريا الشمالية، حيث ترافق التصعيد اللفظي والعسكري مع مسارات تفاوض غير مباشرة، انتهت إلى تهدئة مرحلية دون تفكيك كامل للأزمة.
في السياق الراهن، يبدو أن المواجهة مع إيران تسير ضمن هذا النموذج ذاته. فالتصعيد العسكري المحدود، واستهداف أدوات النفوذ الإقليمي، والضغط الاقتصادي، جميعها أدوات تهدف إلى تعديل سلوك الدولة لا إلى إسقاطها. وهنا يكمن التحول الجوهري في طبيعة الصراع، من الحرب من أجل التغيير، إلى الحرب من أجل الضبط.
غير أن هذا النمط من الصراع لا يمكن فصله عن حدود المخاطرة التي تفرضها البيئة الدولية. فحرب شاملة مع إيران لا تعني فقط مواجهة عسكرية تقليدية، بل تهديدًا مباشرًا لاستقرار النظام الاقتصادي العالمي، خاصة عبر مضيق هرمز الذي يمرّ عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة. كما أنها تفتح الباب أمام تفاعلات دولية معقدة، قد تشمل تدخلات غير مباشرة من قوى كبرى مثل روسيا والصين، وهو ما يجعل كلفة الحسم العسكري أعلى بكثير من مكاسبه المحتملة.
تميل القوى الفاعلة اليوم إلى اعتماد نموذج “التصعيد المنضبط”، الذي يجمع بين استخدام القوة والحفاظ على خطوط عدم الانفجار. وقد برز هذا النموذج بوضوح في الحرب الأوكرانية، حيث أُديرت المواجهة بين روسيا والغرب عبر أدوات غير مباشرة، مع حرص حلف شمال الأطلسي على تجنب الانزلاق إلى صدام شامل مع موسكو. كما يظهر هذا النمط في الصراع الإسرائيلي–الإيراني، الذي لا يُدار كحرب مباشرة مفتوحة، بل من خلال ضربات محدودة، وعمليات أمنية، واستخدام وكلاء إقليميين، بما يسمح باستمرار الضغط المتبادل دون بلوغ عتبة الحرب الشاملة.
وفي السياق الأمريكي، تزداد حساسية هذا النموذج، إذ إن أي انخراط مباشر في حرب شاملة يتطلب، من الناحية الدستورية والسياسية، موافقة الكونغرس الأمريكي، وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليات داخلية معقدة، أبرزها احتمالات الصراع بين الحزبين حول جدوى الحرب وكلفتها. لذلك، لا يُعد “التصعيد المنضبط” خيارًا استراتيجيًا خارجيًا فحسب، بل ضرورة داخلية أيضًا، تفرضها توازنات النظام السياسي الأمريكي نفسه.
في هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن رابح وخاسر بالمعنى التقليدي. فإيران، إذا نجحت في الصمود دون تقديم تنازلات جوهرية، ستُقدّم ذلك بوصفه انتصارًا سياديًا. والولايات المتحدة، إذا فرضت قيودًا على السلوك الإيراني دون حرب شاملة، ستعتبر نفسها قد حققت هدف الردع. أما إسرائيل، فستسعى إلى تثبيت معادلة أمنية تقلّص من التهديد دون الانخراط في حرب استنزاف طويلة. وهكذا، يتحول “النصر” إلى مفهوم نسبي يُعاد تعريفه وفق حاجات الخطاب السياسي.
أما على المستوى الدولي، فإن القوى الأوروبية والآسيوية الكبرى، بما في ذلك الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية، ُعدّ المستفيد الأكبر من أي مسار يؤدي إلى خفض التصعيد. فاستقرار أسواق الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على سلاسل الإمداد، تمثل أولويات استراتيجية لهذه الدول، ما يدفعها إلى دعم التهدئة، حتى وإن تمّت عبر قنوات غير معلنة.
في المقابل، لا تعكس التباينات بين الولايات المتحدة وأوروبا انقسامًا استراتيجيًا بقدر ما تعبّر عن اختلاف في إدارة المخاطر. فبينما تميل واشنطن إلى استخدام أدوات الضغط بدرجة أعلى، تسعى أوروبا إلى احتواء التصعيد نظرًا لانكشافها المباشر على تداعياته. غير أن هذا التباين يبقى ضمن حدود التنسيق العام، ولا يصل إلى مستوى القطيعة.
في ضوء ذلك، تبدو السيناريوهات القصوى، مثل الحرب الشاملة أو إعادة رسم خرائط الدول، أقل احتمالًا في المدى القريب، رغم استخدامها في الخطاب السياسي كأدوات ضغط. فالخبرة التاريخية تُظهر أن مثل هذه التحولات لا تحدث إلا في ظروف انهيار شامل، وهو ما لا يتوفر في الحالة الراهنة.
وعليه، فإن المسار الأكثر ترجيحًا يتمثل في مزيجٍ من التصعيد المحدود والتهدئة المرحلية، يقود في نهاية المطاف إلى شكلٍ من أشكال التفاوض، سواء كان معلنًا أو غير مباشر. وهنا تتبدّى المفارقة المركزية في الصراعات المعاصرة، فالحرب لم تعد نقيض التفاوض، بل أحد مساراته.
إن ما نشهده اليوم ليس حربًا تُخاض من أجل الحسم، بل صراعًا يُدار على حافة التوازن، حيث تتحول القوة إلى لغة تفاوض، والتصعيد إلى أداة لإعادة ترتيب المشهد. وفي هذا العالم، لا يُقاس النجاح بإسقاط الخصم، بل بالقدرة على إعادة تشكيل سلوكه دون دفع النظام الدولي إلى حافة الانهيار.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق