صفقة كبرى بين روسيا الصين و أمريكا حول إيران

د. محمود عباس

في عالم السياسة الدولية لا تُدار التحولات الكبرى في المؤتمرات الصحفية، بل في المساحات الرمادية للدبلوماسية الهادئة، حيث تُصاغ التفاهمات الحقيقية بعيدًا عن العناوين الإعلامية. وما يبدو في الظاهر صراعًا حادًا بين القوى الكبرى قد يخفي في عمقه مفاوضات غير مرئية حول إعادة توزيع النفوذ في العالم. ومن هنا يبرز سؤال بدأ يتردد في دوائر التحليل الاستراتيجي، هل يمكن أن تكون إيران جزءًا من صفقة كبرى بين الولايات المتحدة وروسيا والصين؟ أي هل يمكن أن تُعاد صياغة موقع إيران في النظام الدولي مقابل ترتيبات أوسع تتعلق بالحرب في أوكرانيا أو التوازن في آسيا أو أمن الطاقة العالمي؟

نظريًا، لا شيء في السياسة الدولية خارج نطاق التفاوض. فالتاريخ الحديث يقدم أمثلة عديدة على صفقات غير متوقعة بين خصوم استراتيجيين. ففي ذروة الحرب الباردة، حين بدا العالم منقسمًا إلى معسكرين متصارعين، قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بزيارة تاريخية إلى بكين عام 1972 والتقى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ، في خطوة أعادت ترتيب التوازنات العالمية لمواجهة الاتحاد السوفيتي. تلك اللحظة كانت مثالًا كلاسيكيًا على قدرة القوى الكبرى على إعادة تعريف تحالفاتها عندما تتغير موازين القوة.

من هذا المنظور، لا يبدو السؤال عن احتمال صفقة كبرى حول إيران سؤالًا خياليًا بالكامل. لكن فهم واقعيته يتطلب قراءة دقيقة لمصالح الأطراف الثلاثة المعنية، واشنطن وموسكو وبكين.

بالنسبة لروسيا، تمثل إيران اليوم شريكًا مهمًا في معادلة الصراع مع الغرب. فالحرب في أوكرانيا دفعت موسكو إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الدول التي يمكن أن تساعدها في مواجهة الضغوط الغربية، وقد لعبت طهران دورًا ملموسًا في هذا السياق، سواء عبر التعاون العسكري أو من خلال التنسيق في ملفات الطاقة والالتفاف على العقوبات. غير أن العلاقة الروسية–الإيرانية ليست تحالفًا استراتيجيًا بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى تقاطع مصالح تكتيكي فرضته ظروف المواجهة مع الغرب.

التاريخ الروسي في الشرق الأوسط يظهر أن موسكو تعاملت دائمًا مع إيران بوصفها ورقة ضمن توازنات أوسع، لا باعتبارها حليفًا ثابتًا. ولهذا يرى بعض المحللين أن روسيا قد تكون مستعدة لتقليص مستوى دعمها لإيران إذا حصلت في المقابل على مكاسب استراتيجية أكبر، مثل تخفيف العقوبات الغربية أو اعتراف ضمني بمناطق نفوذها في الفضاء السوفيتي السابق أو تسوية سياسية للحرب في أوكرانيا.

أما الصين، فتنظر إلى إيران من زاوية مختلفة تمامًا. فطهران بالنسبة لبكين ليست شريكًا عسكريًا بقدر ما هي عقدة جغرافية مهمة في شبكة الاقتصاد الآسيوي. تقع إيران في قلب الممرات البرية لمبادرة الحزام والطريق، ما يمنحها موقعًا جيوسياسيًا مهمًا في شبكة الربط التي تسعى الصين إلى مدّها عبر آسيا وأوروبا. كما تمثل طهران مصدرًا معتبرًا للطاقة في اقتصاد صيني يتزايد اعتماده على الواردات الخارجية لتلبية احتياجاته المتنامية. ومع ذلك، فإن السياسة الخارجية الصينية تقوم في جوهرها على قدر عالٍ من البراغماتية وتجنب الدخول في تحالفات صلبة أو اصطفافات حادة. فبكين تحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على علاقات اقتصادية وثيقة مع دول الخليج وإسرائيل، وتسعى إلى تقديم نفسها بوصفها قوة توازن قادرة على إدارة العلاقات المتعارضة في المنطقة، لا كطرف ينخرط مباشرة في صراعاتها.

لهذا فإن الصين، رغم استفادتها من علاقتها مع إيران، لا ترى مصلحتها في تحويل هذه العلاقة إلى محور صدام مع الغرب. وهي مستعدة في كثير من الأحيان للعب دور الوسيط أو الموازن بين القوى المتنافسة، بدل الانخراط في تحالفات مغلقة.

لكن الحديث عن صفقة كبرى تتخلى فيها موسكو وبكين عن إيران يصطدم بعدة عقبات بنيوية. أول هذه العقبات هو انعدام الثقة العميق بين القوى الكبرى نفسها. فالعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وصلت في السنوات الأخيرة إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة، بينما يتصاعد التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والجيوبوليتيك. في مثل هذا المناخ، يصبح من الصعب تصور صفقة شاملة تتطلب درجة عالية من الثقة المتبادلة.

العقبة الثانية تتعلق بطبيعة إيران نفسها. فإيران ليست دولة تابعة يمكن إدراجها بسهولة في صفقة بين القوى الكبرى. إنها لاعب إقليمي يمتلك مشروعه الخاص، وشبكة نفوذ تمتد عبر عدة مناطق في الشرق الأوسط. ولهذا فإن أي محاولة للتعامل معها كقطعة في لعبة شطرنج بين القوى العظمى قد تواجه مقاومة شديدة من داخل النظام الإيراني نفسه.

أما العقبة الثالثة فتتعلق بالمصداقية الاستراتيجية لروسيا والصين. فالتخلي المفاجئ عن شريك مثل إيران قد يثير تساؤلات لدى حلفاء آخرين حول مدى موثوقية موسكو وبكين في تحالفاتهما الدولية.

لهذه الأسباب يميل كثير من المحللين إلى الاعتقاد بأن السيناريو الأكثر واقعية ليس صفقة كبرى تتخلى فيها القوى الكبرى عن إيران بالكامل، بل إعادة ضبط تدريجية لدورها في التوازنات الدولية. وقد يأخذ ذلك أشكالًا متعددة، مثل ضغط روسي–صيني على طهران للحد من التصعيد النووي أو العسكري، أو تفاهمات غير مباشرة تسمح بتقييد بعض جوانب برنامجها النووي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه الحسابات الدولية عن التحولات الداخلية التي تشهدها إيران نفسها. فالدولة الإيرانية تواجه منذ سنوات ضغوطًا اقتصادية عميقة نتيجة العقوبات الدولية، إلى جانب تحولات ديمغرافية واجتماعية داخل مجتمع شاب تتزايد فيه التطلعات الاقتصادية والسياسية. كما أن النظام الإيراني نفسه ليس كتلة متجانسة، بل يتكون من مراكز قوى متعددة تتنافس أحيانًا حول اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية، حتى وإن كانت المرجعية العليا في المذهب الشيعي تتمثل تقليديًا في المرجعية الدينية، أي في موقع آية الله الفقيه، وهو الإطار الذي يستند إليه، بدرجات مختلفة، البناء السياسي والإداري والاجتماعي في إيران، كما يشكل أحد المرتكزات الفكرية التي تستلهمها قوى شيعية متعددة في المنطقة.

هذه العوامل مجتمعة تشير إلى أن إيران تدخل مرحلة تحول بطيء في بنيتها السياسية والاقتصادية، حتى وإن لم يكن انهيار النظام وشيكًا. ومن هنا قد تصبح إيران في السنوات المقبلة أقل مركزية في تحالفات القوى الكبرى، وأكثر حضورًا بوصفها ملفًا تفاوضيًا ضمن لعبة التوازنات الدولية.

وبالتالي، ربما لا تكون إيران موضوع صفقة كبرى بالمعنى المباشر، لكنها بالتأكيد جزء من الحسابات الاستراتيجية الكبرى التي تعيد رسم ملامح النظام الدولي. فالعالم اليوم لا يشهد فقط صراعًا بين دول، بل إعادة توزيع بطيئة لمراكز القوة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، تصبح الدول الواقعة على تقاطعات الجغرافيا السياسية، مثل إيران، أوراقًا أساسية في لعبة لا تُدار بالكامل على المسرح العلني، بل في غرف الدبلوماسية الصامتة حيث تُكتب فصول التاريخ قبل أن تظهر على شاشات الأخبار.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق