لماذا يتحول النقد إلى الكراهية في لحظات الانكسار؟

في المراحل الهادئة نسبيًا، يبقى النقد ضمن حدود السجال السياسي. لكن في لحظات التوتر والانكسار، يتغير مناخ الخطاب. ما كان يُقال بوصفه ملاحظة أو مراجعة، يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافًا، ثم يتصاعد ليصبح تهمة، وأخيرًا يتحول إلى كراهية صريحة.

هذه الظاهرة ليست جديدة في التجارب السياسية، لكنها في السياق الكوردي في غربي كوردستان أخذت طابعًا أكثر حدّة في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد التحولات العسكرية والسياسية التي أعادت ترتيب الموازين، وتراجع بعض المكاسب، وانكشاف حدود الرهانات الدولية.

البيئة المحاصَرة أمنيًا وسياسيًا تنتج حساسية مفرطة. حين يشعر المجال بأنه مهدد، تتقلص مساحة الاحتمال، ويصبح الخطاب أكثر توترًا. ومع كل انتكاسة، سواء عسكرية أو سياسية أو في علاقات التحالف، يتعزز القلق الداخلي. القلق لا يبقى شعورًا عابرًا؛ بل يتحول إلى تشدد دفاعي.

ضعف الإنجاز أو تراجعه يعزز هذا القلق. وعندما يصعب تفسير التراجع ضمن خطاب تعبوي سابق، يبحث الخطاب عن تفسير بديل. هنا يبدأ التحول الخطير، بدل مراجعة البنية، يُعاد توجيه الطاقة نحو الداخل، ويُبحث عن “سبب” شخصي أو تنظيمي يمكن تحميله المسؤولية.

في هذه اللحظة يصبح الناقد أسهل هدف.

النقد البنيوي، الذي يفكك الإيديولوجيا أو يحلل الخيارات الاستراتيجية، يُعاد تأطيره بوصفه تشكيكًا في “المشروع”. وحين يرتبط المشروع برمزية قيادات معينة أو بأسماء تاريخية مثل عبدالله أوجلان، يتحول النقاش من مستوى الفكرة إلى مستوى الولاء.

الجدل حول مفهوم “الأمة الديمقراطية” مثال واضح على ذلك. فهناك تيار يرى في هذا الطرح محاولة لتجاوز الدولة القومية، بينما يراه تيار قومي كوردي تقليدي تنازلًا عن الإطار القومي الصريح. ومع تكرار أوجلان من سجنه أن مشروعه “ينقذ تركيا من التفكك”، ينقسم التأويل، هل هو خطاب براغماتي يضغط على الأحزاب التركية للاعتراف بالحقوق الكوردية عبر تحذيرها من نتائج الاستمرار في الإنكار؟ أم هو إقرار ضمني بإبقاء تركيا موحدة ضمن تصور يتجاوز الانفصال القومي؟

هذه الجدلية الفكرية تحولت، في لحظات الانكسار، من نقاش إيديولوجي إلى مادة تنافر. من يختلف مع منهجية “الأمة الديمقراطية” يُتهم بالعداء للمشروع التحرري، ومن يدافع عنها يُتهم بالتفريط بالقومية الكوردية.

وحين تعرضت قوات سوريا الديمقراطية لضغوط عسكرية وسياسية، وحين شعرت الإدارة الذاتية بحدود الحماية الدولية بعد تراجع الالتزام الأمريكي، تصاعدت موجة النقد. لكن بدل أن تبقى في إطار المراجعة، انزلقت في كثير من الأحيان إلى كراهية حادة. القلق الناتج عن الشعور بالتخلي الخارجي يُنتج رد فعل داخليًا دفاعيًا، ويبحث عن تفسير سريع، الخلل في الأشخاص، لا في البنية.

التشدد يحتاج إلى عدو. وفي البيئات المنقسمة، يكون العدو الأقرب هو المختلف في الرؤية. وهكذا يتحول الاختلاف الإيديولوجي إلى اصطفاف أخلاقي، ويصبح السؤال، “مع من أنت؟” بدل “ما الذي تقترحه؟”.

هذه الآلية لا تخص طرفًا واحدًا. إنها نمط متكرر في البيئات التي تعيش ضغطًا وجوديًا. كلما ضاق الأفق السياسي، ارتفع سقف الاتهام. وكلما تراجعت القدرة على الإنجاز، ازداد الميل إلى حماية الرمز بدل مراجعة المسار.

الكراهية لا يحلّ الأزمة؛ بل يعمّقها ويحوّلها من خلافٍ سياسي إلى شرخٍ وطني. فهو ينقل النقاش من مساءلة الفكرة إلى تحصين الهوية، ومن نقد المشروع الكوردستاني إلى الاصطفاف خلف قيادات بعينها. وعندما يُختزل الاختلاف في معيار الولاء لأحد الأطراف الكوردستانية، تنكمش المساحة التي تُبنى فيها التسويات، ويتحوّل النقد من أداة تصحيح إلى قرينة اتهام، وتغدو كوردستان نفسها رهينة حساسيات داخلية بدل أن تكون المرجعية العليا التي يُحتكم إليها.

في نهاية المطاف، لا يستطيع أي مشروع سياسي أن يحتمي طويلًا بلغة التنافر والكراهية. فالمشاريع التي تخاف من النقد البنيوي، مهما بدا قاسيًا، تكشف هشاشتها الداخلية أكثر مما تحمي تماسكها. النقد ليس تهديدًا للوجود، بل شرطًا لاستمراريته؛ أما تحويله إلى جريمة أخلاقية، فهو إعلان ضمني بأن البنية تخشى المساءلة.

حين يصبح التنافر وأحيانا التخوين أداة ضبط داخلي، فإن ذلك لا يدل على قوة المشروع، بل على قلقه من المراجعة. والمشروع القلق لا ينتج استقرارًا، بل ينتج تشددًا دفاعيًا يتغذّى على الاشتباه الدائم.

السؤال الذي يواجه القوى الكوردستانية اليوم ليس، من المخطئ ومن المصيب؟ بل، هل يمكن إدارة الاختلاف بوصفه ضرورة سياسية لا خطرًا وجوديًا؟ هل يمكن صون الرموز دون تأليهها؟ وهل يمكن إعادة بناء الثقة العامة من دون إعادة تعريف مساحة النقد باعتبارها جزءًا من الشرعية لا اعتداءً عليها؟

إن المجال السياسي الذي لا يحتمل ناقديه، يتحول تدريجيًا إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج ذاته بخطاب واحد. وعندها لا يكون الانقسام نتيجة الخلاف، بل نتيجة ضيق الأفق. فالمجال الذي يُقصي المختلفين يضيق شيئًا فشيئًا، حتى لا يختنق إلا بصوته الخاص.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق