إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع

د. محمود عباس

إيران في قلب الشرق الأوسط حين يصبح الاقتصاد أداة صراع

قبل أن تنزلق المنطقة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة التي نشهدها اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كانت المعادلة في الشرق الأوسط تُدار بصورة مختلفة، لكنها لم تكن أقل حدّة. فقد كانت الولايات المتحدة، شأنها شأن معظم الإمبراطوريات في التاريخ، لا تخوض صراعاتها “مجانًا”، حتى عندما تُعلن أنها تتحرك باسم “القيم” أو “الأمن”. فالحروب في منطق القوى الكبرى لا تنتهي عند ساحات القتال، بل تُستكمل لاحقًا عبر إعادة هندسة اقتصاد الدولة المستهدفة، وتفكيك شبكات القوة فيها، وفرض شروط اندماجها في النظام المالي العالمي، ثم تحويل مرحلة ما بعد الصراع إلى سوق، واسع للعقود، والاستثمارات، والامتيازات.

وفي الحالة الإيرانية كان هذا المنطق أكثر تعقيدًا، لأن إيران ليست دولة هامشية في النظام الدولي، بل دولة ذات وزن ديمغرافي واقتصادي وموقعي مهم. وأي تغيير في بنيتها السياسية أو الاقتصادية ينعكس مباشرة على توازنات الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، ومعادلات الردع في الشرق الأوسط.

فالنظام الإيراني لم يُدمّر إيران خلال ما يقارب نصف قرن من الصراعات الخارجية والتوترات المذهبية فحسب، بل أدخل المجتمع الإيراني في مستنقع اقتصادي عميق قد يحتاج عقودًا للخروج منه. فحين يتآكل الاقتصاد بهذه الدرجة، لا ينتج الفقر فقط، بل ينتج مجتمعًا مُنهكًا، تتسع فيه الفوارق الطبقية، ويتفشى فيه الفساد البنيوي، ويزدهر اقتصاد التهريب والسوق السوداء، وتغادره الكفاءات العلمية نحو الخارج.

في تلك المرحلة كانت العقوبات الاقتصادية عاملاً ضاغطًا ومسرّعًا للأزمة، لكنها لم تكن السبب الوحيد لها. فالمشكلة الأعمق كانت تكمن في نموذج حكم يخلط بين الإيديولوجيا والأمن، ويحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات تعبئة وصراع خارجي بدل أن تكون منصات تنمية وإنتاج. ولهذا فإن أي انتقال سياسي محتمل في إيران لن يكون مجرد تغيير في رأس السلطة، بل عملية إعادة بناء اقتصادية عميقة تشمل تفكيك اقتصاد الظل، واستعادة الثقة بالعملة، وإعادة ربط النظام المصرفي بالاقتصاد العالمي، وإصلاح منظومة الدعم والإنتاج، وهي عمليات قد تستغرق أكثر من عقد كامل.

وتجربة العراق بعد 2003 تقدم مثالًا تحذيريًا واضحًا. فالعراق، رغم موارده الهائلة، عانى من انهيار بنيوي في مؤسسات الدولة وتحول الاقتصاد إلى شبكات نفوذ وغنائم سياسية. ولولا النجاح النسبي الذي تحقق في إقليم كوردستان خلال فترات معينة، لظهر العراق كدولة أكثر هشاشة وانهيارًا. ومن هنا تكمن خطورة السيناريو الإيراني، إذا جاء التغيير عبر التفكيك دون مشروع بناء مؤسسي حقيقي، فقد ينتج “عراقًا أكبر” على ضفاف الخليج، في قلب أهم طرق الطاقة العالمية.

اقتصاديًا، تُعد إيران من أغنى دول المنطقة من حيث الموارد الطبيعية. فهي تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، إضافة إلى موارد معدنية وزراعية كبيرة. ولو كانت مندمجة بالكامل في الاقتصاد العالمي لكانت مرشحة لأن تكون ضمن أكبر عشرين اقتصادًا في العالم. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بالأسعار الجارية كان يقارب 375 مليار دولار، بينما يرتفع إلى ما يقارب 1.8 تريليون دولار عند احتسابه وفق تعادل القوة الشرائية، وهو ما يضع إيران ضمن فئة الاقتصادات الكبيرة ذات الإمكانات المكبوتة سياسيًا وماليًا.

أما في مجال الطاقة، فإن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز طبيعي في العالم بما يقارب 34 تريليون متر مكعب، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية في معادلات الطاقة العالمية.

كما تتحكم إيران جغرافيًا بأحد أهم الممرات المائية في العالم، مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا. وهذه الحقيقة لا تجعل المضيق ورقة ضغط إيرانية فقط، بل نقطة ضعف في الاقتصاد العالمي أيضًا، إذ إن أي توتر فيه ينعكس مباشرة على أسعار النفط وتكاليف النقل البحري ومعدلات التضخم في الأسواق الكبرى، خاصة في آسيا وأوروبا.

ورغم هذه الإمكانات، فإن إيران لم تتمكن من استثمار موقعها وثروتها في بناء نفوذ اقتصادي مستقر، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى لاعب يخلق القلق في الأسواق بدلاً من الاستقرار. فبدلاً من توظيف الطاقة والجغرافيا لبناء شبكة علاقات اقتصادية واسعة، دخلت إيران في مسارات صدامية إقليمية، دعمت خلالها شبكات عسكرية وسياسية في عدة دول، ووسعت برنامجها الصاروخي، ورفعت مستوى التوتر مع خصومها الإقليميين والدوليين.

وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الاقتصاد الإيراني بمعزل عن الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. فالمنطقة خلال العقدين الأخيرين كانت تُدار وفق معادلة معقدة: الولايات المتحدة تملك مفاتيح النظام المالي العالمي وتؤمّن طرق الطاقة عبر حضورها العسكري والبحري، بينما تسعى إسرائيل إلى منع أي قوة إقليمية معادية من الوصول إلى قدرات عسكرية أو نووية قد تهدد تفوقها الاستراتيجي.

ضمن هذه المعادلة لم يكن تأثير إيران على الاقتصاد العالمي مرتبطًا فقط بحجم صادراتها النفطية، بل أيضًا بحجم المخاطر التي يمكن أن تخلقها في أسواق الطاقة والنقل والتأمين. فمجرد ارتفاع احتمالات التصعيد في الخليج كان كفيلًا برفع الأسعار العالمية وإعادة تسعير المخاطر في الأسواق.

أما علاقات إيران الاقتصادية مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا فكانت تعكس بدورها سياسة تموضع أكثر منها شراكات اقتصادية تقليدية. فقد أصبحت الصين المشتري الأهم للنفط الإيراني، مستفيدة من الأسعار المخفضة التي فرضتها العقوبات، لكنها في الوقت نفسه حافظت على توازن دقيق يمنعها من الدخول في مواجهة مباشرة مع النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة. أما روسيا فقد وجدت في إيران شريكًا سياسيًا واقتصاديًا بعد العقوبات الغربية التي فُرضت عليها عقب حرب أوكرانيا، إلا أن التعاون بين اقتصادين يعانيان من القيود نفسها لا يمكن أن ينتج تحالفًا اقتصاديًا قويًا بقدر ما ينتج تقاربًا ظرفيًا.

في تلك المرحلة، لم تكن الولايات المتحدة تسعى فقط إلى إضعاف إيران، بل إلى تعديل المعادلة الإقليمية التي جعلت من طهران مصدر قلق دائم لأمن الطاقة وحلفاء واشنطن في المنطقة. فقد قيدت العقوبات تدفق العائدات النفطية الإيرانية وحدّت من قدرة الاقتصاد الإيراني على جذب التكنولوجيا والاستثمارات، بينما حافظ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج على توازن يمنع إيران من تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط دائمة.

في المقابل، كانت إسرائيل تدفع باتجاه منع إيران من الوصول إلى مرحلة “الدولة العتبة النووية”، والعمل على تقليص قدراتها الصاروخية وشبكات حلفائها الإقليميين.

هكذا أصبح الاقتصاد الإيراني في تلك السنوات اقتصادًا عالي الاحتكاك مع العالم؛ قادرًا على إزعاج الأسواق الدولية أكثر مما هو قادر على الاندماج فيها. وكان من الممكن أن تتحول إيران، لو تغيرت المعادلة السياسية، إلى عنصر توازن في سوق الطاقة العالمي، تضخ المزيد من النفط والغاز، وتخلق ممرات تجارية تربط آسيا بأوروبا، وتعيد بناء طبقة وسطى قادرة على دفع إصلاح سياسي تدريجي.

لكن هذا التحول لم يكن ممكنًا في ظل فلسفة حكم ترى الصراع أساسًا للسياسة، ولا في ظل توازنات دولية لا تسمح بظهور قوة إقليمية منافسة دون شروط.

وهكذا بقيت إيران، في قلب الشرق الأوسط، عقدة تتنازعها ثلاث معادلات متعارضة، حاجة الاقتصاد العالمي إلى الاستقرار، ورغبة الولايات المتحدة في إدارة النفوذ، وإصرار إسرائيل على منع ظهور تهديد استراتيجي جديد. وبين هذه المعادلات المتشابكة، كان المجتمع الإيراني هو الذي يدفع الثمن الأكبر، ليس لأنه فقير الموارد، بل لأن ثروته وُضعت في خدمة مشروع صراع طويل بدل أن تكون أساسًا لمشروع تنمية.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك