الصراع الحضاري بين الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز
إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
يُعَدُّ الأدبُ مِرآةً للثقافات والمُجتمعات ، ويعكس في كثير مِن الأحيان صِراعَ الإنسان معَ
التحوُّلات الكُبرى في مُحيطه الحضاري والاجتماعي . وفي هذا الإطار يَظهر الصِّراعُ
الحضاري كموضوع مِحْوري في الأدب العربي والعالمي .
الروائي السوداني الطيب صالح ( 1929 _ 2009 ) ، والروائي الكولومبي غابرييل
غارسيا ماركيز ( 1927 _ 2014 ) ، كِلاهما تناول قضية الصِّراع الحضاري ، والصِّدام بين
القديم والحديث ، كُلٌّ بأُسلوبه الخاص ، ومَنظوره المُتميز .
عاش الطيب صالح تَجْرِبة الاحتكاك المُباشر بين الثقافة العربية والأفريقية التقليدية مِنْ
جِهة ، والتأثيرات الغربية الحديثة مِنْ جِهة أُخْرى ، خاصَّة بعد فترة دراسته في جامعة
الخرطوم ، وعمله في الخارج . هذه الثنائية الثقافية شَكَّلَتْ خَلفيةً أساسيَّة لأعماله الأدبية ،
التي غالبًا ما تتناول التفاعلَ بين الإنسان التقليدي في مجتمعه المحلي والحداثةِ الغربية التي
تجتاح المجتمعات ، كما تتناول صِراع الهُوِيَّة والانتماء في مُواجهة الاستعمار الثقافي
والمعرفة الغربية .
مِنْ جِهة أُخرى ، نشأ ماركيز في مجتمع يَرزح تحت آثار الاستعمار الإسباني ، وأزماتِ
التحديث السياسي والاجتماعي في أمريكا اللاتينية . استخدمَ الواقعيةَ السِّحْرية كأداة أدبية
لتسليط الضوء على صِراعات مُجتمعه ، مُجَسِّدًا الصِّدام بين التقاليد والعصر الحديث ، وبين
الفقرِ والقُوَّة، وبين الفردِ والمُجتمع .
في أعمال الطيب صالح ، يَظهر الصِّراعُ الحضاري غالبًا كَصِراع هُوِيَّة ، حيث يَكُون
البطلُ مُمَزَّقًا بين انتمائه إلى أرضه وَعُمْقِه الثقافي، وبين جاذبيةِ الحداثة الغربية التي تتجاوز
حُدودَ المعرفةِ والسُّلطةِ .
أمَّا ماركيز ، فَيُقَدِّم الصِّراعَ الحضاري كقضية تاريخية ومُجتمعية ، وليس قصية شخصية
فَحَسْب . ويَظهر الصراعُ في العُزلة التقليدية للمجتمع ، وتتَّضح الضغوطُ الحديثة التي
تَفْرضها التحوُّلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهو يَستخدم السِّحْرَ والخيالَ لإظهار
كيف أنَّ الصِّدام بين القديم والحديث لَيْسَ مُجرَّد صِراع فِكري ، بَلْ هُوَ صِراع وجودي يُهدِّد
استمراريةَ الثقافةِ نَفْسِها .
يَعتمد الطيب صالح على الواقعية النَّفْسية ، والتحليلِ العميق للشخصيات ، معَ لُغةٍ دقيقة
وَسَلِسَة ، تَحْمِل رَمزيةً ثقافية قوية ، فَهُوَ يُعالج الصِّراعَ الحضاري مِنْ خِلال العلاقات
الشخصية والوِجْدانية ، مُستعينًا برمزية المكان ( مِثْل نهر النيل ) والزمانِ ، ليعكس الانقسامَ
الداخلي بين المَوْروث الثقافي والانفتاح على الآخَر .
بَينما يَستخدم ماركيز الواقعيةَ السِّحْرية ، حيث تختلط الأحداثُ الواقعية بالخيال ، ليعكس
الصراعَ الحضاري على مُستوى المُجتمع بأكمله . وقوةُ ماركيز تكمن في تصويره للتحوُّلاتِ
الكُبرى عبر الزمن ، حيث تُصبح الشخصياتُ والأساطير جُزءًا من التاريخ الجَمَاعي ، ولَيْسَ
فقط تَجْرِبة فردية . هُنا يَكُون الصِّراعُ الحضاري شاملًا ومَلْحَمِيًّا ، وليس شخصيًّا فقط .
يَتمحور صِراعُ الطيب صالح حول الهُوية والانتماء ، حيث يُظهِر كيف أنَّ الإنسان في
مُواجهة الحضارة الغربية الحديثة يعيش حالةً مِن الاغترابِ النَّفْسي والاجتماعي ، مِمَّا يَجعله
يُعيد النظرَ في جُذوره وقِيَمِه . وهذه الرُّؤية تَحْمِل نَقْدًا ضِمْنِيًّا للاستعمارِ الثقافي ، معَ تسليط
الضوء على أهمية الحِوار بين الثقافات دُون الانصهار الكامل .
أمَّا ماركيز ، فَيتطرَّق إلى الحُرية الفردية والجَمَاعية والتاريخ والذاكرة ، ويُظهِر كيف أنَّ
الصِّراع الحضاري يُشكِّل جُزءًا مِن مصير المُجتمعات . السِّحْرُ في أعماله ليس هُروبًا من
الواقع ، بَلْ وسيلة لتكثيف الصراع الحضاري ، وجَعْلِ القُرَّاء يُدرِكون تعقيدَ التغيُّرات
الاجتماعية والسياسية ، وتأثيرها على الفردِ والمُجتمع على حَد سَواء .
رَغْمَ أنَّ الكاتبَيْن يُعالجان الصِّراعَ الحضاري ، إلا أنَّ هُناك فُروقات واضحة بينهما :
1_ الطيب صالح يُركِّز على الفردِ وانكساره أمام التحوُّلات الثقافية ، معَ اهتمام بالبُعْدِ
النَّفْسي والاجتماعي العميق .
2_ ماركيز يُركِّز على المُجتمعِ والتاريخ ، ويَجعل الصراعَ الحضاري جُزءًا مِن النسيج
الأُسطوري والتاريخي لأمريكا اللاتينية .
3_ أُسلوب الطيب صالح واقعي دقيق ، بَينما أُسلوب ماركيز يَجمع بين الواقع والخَيالِ
في تَكوين أدبي ساحر ومَلْحمي .
إنَّ دراسة الصِّراع الحضاري بين أعمال الطيب صالح وغابرييل غارسيا ماركيز تكشف
عن أبعاد مُختلفة لتفاعل الإنسانِ مع التحوُّلاتِ التاريخية والثقافية . الطيب صالح يُقَدِّم
الصراعَ كأزمة هُوِيَّة فردية ومُجتمعية في قلبِ العَالَمِ العربي والأفريقي ، بَينما يُقَدِّم ماركيز
الصراعَ كَمَلْحمة تاريخية واجتماعية في أمريكا اللاتينية ، حيث تتشابك الأُسطورة والتاريخ
والواقع .
في كِلا الحالتَيْن ، يظلُّ الأدبُ مِرْآةً صادقة لِمُعاناةِ الإنسانِ أمام التغيُّرات والتحوُّلات ،
مُسَاهِمًا في تَعزيزِ فهم العلاقة المُعقَّدة بين الفردِ والمُجتمع ، وبين التقليدِ والحداثة ، وبين
الشرقِ والغرب، وبين الحُلْمِ والواقع .



إرسال التعليق