كيف وصلت المخابرات الى الوعي الكلي

كيف وصلت المخابرات الى الوعي الكلي

بدايات المخابرات

فريد حوزي

قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الولايات المتحدة تعيش ما يمكن تسميته بـ “البراءة الاستخباراتية”، حيث كانت تمتلك جهودًا استخباراتية محدودة مثل “الغرفة السوداء”. في تلك الأيام، كان وزير الخارجية “هنري ستيمسون” يردد جملته الشهيرة التي تعكس عقلية النبلاء القديمة: “السادة لا يقرؤون رسائل بعضهم البعض”. كانت واشنطن تعتمد على الدبلوماسيين والملحقين العسكريين لجمع المعلومات، وتنظر إلى التجسس كعمل “قذر” لا يليق بجمهورية ديمقراطية، حتى جاء صباح السابع من ديسمبر 1941.

هبطت القنابل اليابانية على الأسطول الأمريكي في هاواي، لتنسف معه عقلية “السادة” إلى الأبد. أدركت واشنطن تحت النار أن الجهل بنوايا العدو ثمنه الدم. وفي خضم الحرب، أسس الرئيس روزفلت “مكتب الخدمات الاستراتيجية” (OSS) بقيادة الجنرال المغامر “وايلد بيل دونوفان”. كان هذا المكتب المختبر الأول. خليط من الجواسيس والعلماء والمتخصصين الذين نفذوا عمليات خلف خطوط النازيين لجمع المعلومات والتخريب.

وضعت الحرب أوزارها، لكن “الستار الحديدي” هبط فوراً. أدرك الرئيس “هاري ترومان” أن العدو الجديد (السوفييت) لا يمكن هزيمته بالجيوش فقط، وإنما بالمعلومة والمؤامرة. وفي عام 1947، وقع قانون الأمن القومي، معلناً ميلاد “وكالة المخابرات المركزية” (CIA). منحت الوكالة صلاحيات واسعة وغير محددة، فتحولت سريعاً من “جامع للأخبار” إلى “صانع للأحداث”. في الخمسينيات، نفذت الوكالة هندسة الانقلابات في إيران وغواتيمالا، وأصبحت يد الرئيس الخفية التي تتدخل في مصائر الشعوب دون أن تترك بصمات رسمية، مؤسسةً لمبدأ “الإنكار المعقول”.

مع اشتداد الحرب الباردة، أدركت أمريكا أن الجاسوس البشري (Humint) معرض للخطأ والخيانة. هنا، قررت الاستخبارات نقل المعركة إلى السماء. طورت طائرات التجسس الشاهقة (U-2) التي تحلق فوق الغلاف الجوي وتصور القواعد السوفيتية، ثم قفزت إلى الفضاء عبر أقمار التجسس (Corona). تحولت العقيدة الاستخباراتية من “سرقة الأسرار من الخزائن” إلى “المسح الشامل للأرض”. فأصبح بإمكان المحلل في “لانغلي” (مقر الـ CIA) أن يعرف قدرات الخصوم النووية.

وبالتوازي مع الـ CIA التي تعمل في الخارج، نما وحش آخر في الظل: “وكالة الأمن القومي” (NSA). كانت مهمتها في البداية فك الشفرات والتنصت على اتصالات الحكومات والجيوش (SIGINT). لكن الثورة الرقمية في التسعينيات غيرت طبيعة اللعبة. تحول العالم إلى قرية إلكترونية، وانتقلت المعلومات من الأوراق إلى كابلات الأنترنت. هنا، قامت الـ NSA بأكبر عملية توسع في التاريخ. لم تكتف بمراقبة “الأعداء”، حيث بدأت في بناء بنية تحتية قادرة على امتصاص وتخزين المكالمات، ورسائل البريد الإلكتروني، و كل نبضة بيانات تمر عبر الشبكة العالمية.

جاءت هجمات البرجين في 2001 لتكون الذريعة المثالية لإسقاط آخر المحرمات: الخصوصية. مُرر “قانون الوطنية” (Patriot Act)، وتحول المجتمع الاستخباراتي الأمريكي إلى “مجمع هائل” يضم 18 وكالة بميزانيات سرية تتجاوز ميزانيات دفاع دول كبرى.
كشفت وثائق “إدوارد سنودن” لاحقاً أن الطموح الأمريكي لم يعد له سقف. فبرامج مثل (PRISM) و (XKeyscore) مكنت الاستخبارات من الدخول إلى الخوادم الخلفية لعمالقة التكنولوجيا (مثل غوغل)، محولة الإنترنت إلى أداة رقابة لا يفلت منها أحد.

اليوم، وصلت الاستخبارات الأمريكية إلى مرحلة “الوعي الكلي” (Total Awareness). لم تعد تكتفي بمراقبة الحاضر، حيث تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الضخمة (Big Data) والتنبؤ بالمستقبل. لقد تطورت من بضعة جواسيس يفتحون الرسائل بالبخار، إلى إمبراطورية رقمية تمتلك مفاتيح “الباب الخلفي” لكل جهاز متصل بالشبكة، فارضةً معادلة جديدة للقوة: “من يملك البيانات، يملك العالم”، وجاعلة من الكرة الأرضية غرفة زجاجية يرى ساكن البيت الأبيض كل ما يدور فيها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك