في الحسد… والكتابة… وما لا يُرى
- رشيد مصباح (فوزي)
قد يحسدك بعض الناس على أشياء أودعها الله فيك، لا تفضّلـًا ولا عبثا، بل تعويضا عن أشياء لم تُمنح لك. وذلك من تمام عدله سبحانه. غير أنّ الحاسد لا يرى في القسمة حكمة، بل يراها ظلما شخصيّا، فيخاصم القدر بدل أن يسلّم به.
وقد يُحسَد المرء، وهذا من طبائع البشر ، على كلماتٍ يكتبها، كأنّها تُقال بلا عناء، أو تُولد بلا مخاض. كأنّ الكتابة ترفٌ سهل، لا مشقّة فيه ولا ثمن. ولو سُئل أهلها، من جرّبوها وعاشوا وجعها، لأخبروكم أنّ الكتابة ليست جمع حروف، بل استنزاف صامت، ومعركة طويلة مع النفس قبل صياغة اللّغة.
فالكتابة ليست موهبة فحسب، بل صبر، وإعادة نظر، ومراجعة لا تنتهي. أن تُمسك جملة، فتشكّ فيها، ثم تعود إليها، ثم تهدمها، ثم تبني غيرها… حتى تستقيم، أو تستسلم. وما يُرى في النهاية ليس سوى القشرة؛ أمّا التعب، فيبقى مخفيّا.
بدأ هذا الشغف عندي مبكّرا، من فضول قادني إلى خزانة صغيرة تركها جدّي. هناك، بين أوراق صفراء ومخطوطات قديمة، وجدتُ ما يشبه البذرة الأولى. لم أفهم آنذاك قيمة ما عثرتُ عليه، لكنّ شيئا ما استقرّ بداخلي؛ صار الفضول قراءة، ثم صارت القراءة عادة، ثم شغفا.
أولى محاولات الكتابة لم تكن نصّا، بل رسالة. رسالة مراهق يكتشف اللّغة كما يكتشف قلبه. ليلة كاملة من التردّد، والحذف، والجرأة المرتجفة. لم تكن رسالة جيّدة، لكنها كانت صادقة، وكانت كافية لتكشف لي أنّ للكلمات ثمنا.
ثم جاءت الحياة بما تعرفه من انعطافات. الإدارة، العمل، لغةٌ أخرى فرضت نفسها. تاهت العربية قليلـًا، وُضِعتُ بين لسانين، وفقدتُ البوصلة. سنوات مرّت وأنا أؤجّل ما كنت أظنّه شغفا عابرا، فإذا به يعود، أكثر إلحاحا، حين أُتيح لي الوقت.
بعد التقاعد، أدركتُ أن بعض الرّغبات لا تموت، بل تنتظر. فعدتُ إليها بهدوء، لا بحثا عن الأضواء والتصفيق، بل عن مصالحة مع الذّات. وكان من حسن حظّي أنّني التقيتُ برجال علم وأدب، في مقدّمتهم الشيخ (حسين ليشوري)— حفظه الله ورعاه— ممّن علّموني أن الكتابة أخلاق ومسئوليّة، قبل أن تكون أسلوبا.



إرسال التعليق