الفن الحقيقي ليس نقيضا للدِّين.. بل هو قرينه الإنسانيّ.

  • رشيد مصباح (فوزي)

مهما ادّعى بعضُنا أنّ الفن يتعارض مع الدِّين، تبقى حقيقة الإنسان عصيّة على الاختزال؛ فهو لا شيطانٌ خالص، ولا مَلَكٌ معصوم. إنّه كائنٌ مركّب، مزيجٌ عجيب من الإيمان والهوى، من الرّوح والجسد، من الرغبة والألم. وفي نهاية المطاف، تبقى الأخلاق هي الميزان الفاصل؛ فدينٌ بلا أخلاق لا يساوي شيئا، كما أنّ فنّا منزوع القيم ليس سوى صخب أجوف، لا روح فيه ولا أثر.

نعيش اليوم زمن ”الجاهز المعلّب“، زمن السّرعة القاتلة، حيث لم يعد للنّاس متّسع للتذوّق ولا للصّبر. غاب الذوق، وتوارى الفنّ الرّاقي القديم خلف صخب الاستهلاك، وصار السّمع يسبق الإحساس، والنظر يسبق التأمّل.

لم أنسَ يوما ما قاله لي صديق، من أولئك المبتلين برهافة الإحساس، ونحن نستمع إلى أسمهان تشدو: ((يا حبيبي تعالى شوف اللي جرالي)).
قال لي، وعيناه مغرورقتان: ”أتظنّ أنّ هؤلاء الفنّانين قالوا هذا من باب الترف؟“
كانت جملة قصيرة، لكنها فتحت في داخلي بابا فارها من الفضول، لم يُغلق منذ ذلك اليوم.

كنّا صغارا، نستمع إلى الأغاني دون أن نقرأ ما وراء الكلمات من أسى ومعاناة. أمّا اليوم، وقد اشتعل الرأس شيبا، وخفَّت حدّة الاندفاع، وصرنا أكثر وعيا بهشاشتنا… تبدّل الفهم وتغيّر السّمع، وصرنا نُصغي لا للصوت فحسب، بل للوجع المختبئ وراءه.

كبر الفضول معي، وصرتُ كلّما سمعتُ أغنية من تلك الأعمال الخالدة، عدتُ أبحث، لا عن المغنّي، بل عن ”كاتب الكلمات“؛ عن اليد الخفيّة التي سكبت التجربة، وصاغت الألم، وتركته أمانة في صوت غيره.

وأنا أتصفّح اليوتيوب، عثرتُ أمس على مقطع لم أستطع إكماله. لا لأنّه رديء، بل لأنّه أيقظ في داخلي حزنا قديما. كان يتحدّث عن تراجيديا عائلة الأطرش، تلك العائلة النّبيلة التي قاومت الاستعمار الفرنسي، قبل أن تطاردها فرنسا، التي ترفع شعار ”الأخوّة والعدالة“ في حملة قمع لا تقلّ قسوة عن الشعارات التي كذّبتها الأفعال.

تروي صاحبة الفيديو وجع طفل وُلد في بيت يعيش ”عيشة الملوك“، ثم وجد نفسه فجأة يبحث عن رغيف. طفلٌ كان يؤجّل نومه، كي يكفي الخبزُ إخوتَه. فريد… وفؤاد… وآمال، التي عُرفت لاحقا باسم ”أسمهان“. وهجرة قسرية لأمّ مذعورة تحمل هم الخوف من المستقبل، والموت الذي يطاردها.. ومعها أطفالها الأبرياء.. إلى مصر؛ هجرة لم تكن لتتمّ لولا تدخّل الزّعيم (سعد زغلول)… حياة يقول عنها فريد لاحقا: ”كنّا نعيش في قفص قدّ العصافير“.

لم أحتمل متابعة القصّة حتى نهايتها. ففي هذا العمر، يصبح القلب أقلّ صلابة، وأكثر هشاشة أمام المآسي. غير أنّ ذلك لم يمنعني من العودة إلى الكلمات التي أدّتها أسمهان، كلمات أحمد جلال؛ الكاتب الصحفي الذي عاش في الظلّ، ورحل في صمت أواخر الأربعينيّات، تاركا وراءه إرثا ما زال ينبض بعده بالحياة.

وهكذا كان الأمر مع أمّ كلثوم وأحمد رامي، ومع عبد الحليم والأبنودي… كتّابٌ اختاروا الظلّ، لكنّهم منحوا الفنّ روحه، وعبّدوا الطريق لأصوات صارت أساطير.
هم لم يكتبوا للترف، بل كتبوا لأنّ الألم كان أثقل من أن يُحتمَل.

وهنا فحسب، نفهم: أنّ الفنّ الحقيقي ليس نقيض الدِّين، بل قرينه الإنساني. وأنّ أجمل ما فيه… أنّه صادق.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك