الحضارة لا تُستورد.. بل هي وعيٌ وسلوك

  • رشيد مصباح (فوزي)
    *
    وأنا أتمشّى عائدا إلى البيت، استوقفني رصيف فقد ملامحه: حوافّ متآكلة، أتربة زاحفة، أوساخ وقاذورات تعلن انتصار الفوضى. مشهد مألوف حدّ الملل، لكنه يطرح أكثر من سؤال:
  • لماذا لا نرى هذا في مدن أخرى؟
  • ”ما الفرق بين مدينة صغيرة عندنا ومدينة صغيرة في أوروبا أو أمريكا؟

لسنوات، استفادت مدننا من مشاريع تهيئة وإصلاح. طرق أُنجزت، أرصفة عُبّدت، وأموال صُرفت. ومع ذلك، النتيجة واحدة: ”تدهور سريع للبنية التحتيّة“. وكأنّ كل شيء صُمّم ليكون مؤقتا. ويغدو من السّهل اتّهام الدولة، أو تحميل المسؤولية للنصوص القانونية.

لكن المشكلة أعمق من مشروع فاشل أو صفقة مشبوهة. المشكلة في العامل البشري. فالإسمنت لا يحمي نفسه بنفسه، والأرصفة لا تستطيع أن تقاوم وحدها. حين يغيب الوعي، تتحوّل البنية التحتية إلى ضحية يومية للفوضى والعبث، وحين تتطبّع الذهنيّات مع الاعتداء على الفضاء العام، يصبح الخراب سلوكا عاديا.

الفارق الحقيقي بيننا وبين الغرب لم يكن يوما في نوعية الإسفلت، بل في درجة الوعي. لم تنهض تلك المجتمعات بالمشاريع أولـًا، بل بمحاربة الجهل والخرافة والاستبداد الفكري. بدأت نهضتهم حين تجرّأوا على مساءلة المسلّمات، منذ حركة الإصلاح الدِّيني مع (مارتن لوثر)، وصولـا إلى بناء إنسان يرى في النظام قيمة، وفي الفضاء العام مسؤولية مشتركة.

اليوم، حين يحتلّ تاجر الرّصيف، ويمنع المارّة، ويُطبّع المشهد، نتساءل: أين الدولة؟ لكن السؤال الأصدق هو: أين الناس؟ فالصّمت الجماعي ليس حيادا، بل مشاركة غير معلنة. هنا تتّضح الحقيقة المؤلمة: ليست المشكلة في غياب القوانين، بل في قبولنا بانتهاكها.

الحضارة لا تُفرض من فوق، ولا تُستورد في شكل مشاريع. الحضارة وعيٌ يُراكم، وسلوك يُمارس، ومقاومة تبدأ من التفاصيل الصغيرة… من رصيف، ومن احترام مكان، ومن إنسان يرفض أن يكون جزءا من الفوضى والعبث.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك