حصار متليلي قصة أيام السلك الخمسة: 20-21-22-23-24 نوفمبر 1960

بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية

مقدمة:

في أيام من شهر نوفمبر 1960 شهدت مدينة متليلي الشعانبة حصارا رهيبا عرف بأيام السلك بحيث طوقت المدينة بكاملها ،وتم تسيجيها بالأسلاك الشائكة ،ولم يترك إلى ثلاثة أو أربعة معابر للدخول والخروج بالمراقبة العسكرية بعد الإذن المسبق و الكتابي بذلك ، بوضع مداخل ومخارج للسياج محروسة حراسة مشددة ومراقب من طرف القوات المنتشرة عبر الأزقة ،والجبال ،و سفوحها وبمراقبة ضوئية ليلا من برج المراقبة الموجود بجبل مولاي عبد القادر وبالطائرات الحوامة, كما نصبت المدافع في الجبال المحيطة بمتليلي جبل مولاي عبد القادر, جبل سيدي بولنوار. جبل مدخل المدينة, وجبال شعبة تيمكرت, وشعبة سيد الشيخ, إستعدادا لقصف المدينة وحرقها وإبادة سكانها بكاملهم, إلا أن مشيئة الله وقدره كانت أقوي من ظلم العدو,

وبتطويق المدينة وتسيجها بالأسلاك الشائكة وعزلها وقبض أحكام السيطرة, تم إخراج الأهالي بالقوة من مساكنهم وتجريدهم وحشدهم للعراء في المكان المخصص لذلك, الكائن بحي تيمكرت البطحاء سابقا حاليا حي 20 نوفمبر1960 أو ما يعرف بمقهى 20, قبل بدئ الحصار أعلنت سلطات الإحتلال الفرنسي الغاصب عبر شوارع المدينة عنه محذرة الناس بالإمثتال والخروج إلى مكانه وعدم البقاء في بيوتهم والويل لمن يعصي و يمتنع ومن يبقى في بيته يعذب ويعاقب أشد أنواع العقاب وشتى الطرق التي لا يتصورها عقل ولا يصدقها إنسان .

بعد وضع طاولات للتعذيب,تم عزل الرجال عن بعضهم البعض ،وإستنطاقهم وإستجوابهم ،وطبع كل مستوجب ومستنطق بخاتم على جبينه وذراعه حتى يعرف وبتدخل الأهالي والأعيان تم عزل النسوة والأطفال ووضعهم بالمسجد العتيق بالقصر وتعين من يخدمهم ويسهر على راحتهم وأمنهم بمبادرة وتطوع من أهالي متليلي المقتدرين الخيرين أما باقي الجهات البعيدة فتكفل كل مقتدر بفتح بيته للنساء وأطفال الحي ,

كما تم تخصيص مركز بحي الملعب سابقا حاليا حي 08 ماي 1945 كمكان خاص للإستجواب والإستنطاق بشتى الطرق والتعذيب ومنه إلى الإيداع بالغرف المخصصة للسجن وبعدها ترحليهم إلى سجن غرداية والأغواط ومنه لسجن البليدة والذين مكثوا بهم ستة 6 أشهر وأكثر,

– أنواع طرق التعذيب:

تم تعذيب المشتبه فيهم بوضعهم في صهاريج الماء وتعليقهم طوال أيام الحصار ليل نهار والتنكيل بهم وربطهم وجرهم بواسطة سيارة جيب لترهيبهم باقي المواطنين والأهالي لعلهم يخافون و يتكلمون و يدلون بأية معلومات تفيد العدو وتخدمه كما قامت بأسلوبها المعروف وهو إعادة الإستنطاق وجر المحاصرين في المغالطات والتشكيك فيما بينهم للإيقاع بهم وإتهام بعضهم البعض للكشف عن أسماء المجاهدين والثوار نصرهم الله, ولو بالكذب زورا و بهتانا حتى تتم المواجهة و ينعت المحاصر تحت ضغط التعذيب بالخائن و الغادر.

– إختيار المعذبين:

قامت سلطات الإحتلال إختيار فئة أئمة المدينة ومعليهما ومثقفيها ومشايخها وتعذيبهم أشد تعذيب وعزلتهم تماما عن عضهم البعض لعدم تمكنهم من الإتصال ببعضهم, وقامت بالإنفراد بهم لا لشيء إلا لكونهم من فئة المتعلمين الذين عارضوا الحصار ووعوا الشعب ونضال بكلمة الحق وإعلاء كلمة الله في منابر المساجد والكتاتيب والمحاضر وكل ما سمحت لهم الفرصة ومن بين هؤلاء المعذبين على سبيل الذكر لا الحصر المرحوم الطالب أمحمد البوكادي – شريف الطالب بكار –عمي علي الذيب –سيراج سي عزوز-بن شاشة عبد القادر –خارف محمد بن عيسى -بن حديد قدور-البرج محمد –فرج الله سليمان – وغيرهم…

أسباب الحصار:

إن أسباب الحصار جاءت نتيجة للضربات الموجعة التي تلقاها العدو الفرنسي والعمليات العسكرية الحامية الوطيس و الحرب الوطيس التي جرت بالمنطقة وهي العمليات العسكرية والهجمات التي قام مجاهدين بالمنطقة وضواحها منها المعارك الأربعة 04 في سنة واحدة ناهيك عن الإشتباكات المتفرقة هنا وهناك ومن هاته المعارك خاصة منها : معركة تيمداغسين 01/03/1960.معركة فرع الدمغة 15/03/1960 -معركة محصر بشقاق 01/11/1960 -معركة الحوار 02/11/1960والتي كانت جد موجعة ومؤلمة للعدو الفرنسي .

– نبذة عن المعارك التي أدت بالحصار:

بداية من معركة أفران الكبرى التي جرت بتاريخ 28/08/1957 والتي تكبد فيها العدو الفرنسي خسائر كبيرة وجسيمة في صفوف قواته مادية والنقطة التي أفاضت الكأس وعجلت بالحصار والإنتقام من سكان وأهالي متليلي في إطار سياسة العدو الفرنسي المنتهجة آنذاك للقضاء على الثورة المظفرة وإخمادها حسب زعمهم و التي لم تزيد مجاهدينا وشعبنا إلى عزيمة وإصرارا على مواصلة التصدي للعدو و محاربته. هي إسقاط الطائرة المروحية بمتليلي من طرف مجاهدينا التي هلك على اثرها جنرال غاشم متسلط من جنرالات فرنسا المحتلة والتي لم يتقبلها العدو كهزيمة نكراء وخاصة من مجموعة مجاهدين بسطاء بأسلحة تقليدية أسلحة ليست بالأسلحة التي يمتلكها العدو .

– مدة التوقيف :

لقد بقي السكان محاصرين مدة ثلاثة 03 أيام بدون أكل ولا شرب تحت التعذيب وفي العراء. وفي أماكن خصصت للتعذيب ومنهم من عذب بشتى الأنواع الماء والصابون والكهرباء والجلد والدوس والركل بالأقدام وبمؤخرة البندقية وفي مناطق حساسة الخ…,والتي خلفت أثار بليغة عان منها أصحابها لسنوات, كما رواه لنا بعض شهود أعيان من عايشوا الحصار وعرضوا للتعذيب مجاهدين و أهالي و شباب عاصروا الحصار , وبعد اليوم الرابع بداء الفرز بواسطة طبع المواطنين بوضع ختم في جبهتهم وفي أيديهم كعلامات مميزة للتعرف على المشبوه والمشكوك في أمره والذي لا غبار عليه خالي من أية شبهة أو شك .

أيام الحصار بنهاره و ليله:

دام الحصار خمسة أيام أو بما يعرف الخمسة الأيام أو أيام السلك نسبة للأسلاك الشائكة, فالخمسة الأيام هي 20-21-22-23-24 نوفمبر1960.

اليوم الأول 20 نوفمبر 1960: اليوم الذي حصرت فيه المدينة وسيجت بالأسلاك الشائكة ووضع مداخل ومخارج بمعابر مراقبة,اليوم الثاني 2: 21 نوفمبر1960: تجمع الموطنين بالملعب سابقا حاليا حي 08 ماي 1945 .اليوم الثالث والرابع /22 و23 نوفمبر 1960: تعذيب المواطنين و إستنطاقهم وإستعمال كافة وسائل التعذيب أكثرها الماء والصابون والغطس بالصهاريج والتعذيب بالكهرباء ناهيك عن الجر بسيارة الجيب والربط والتعليق والضرب بمؤخرة البندقية الخ… اليوم الخامس / 24نوفمبر 1960: ترحيل السجناء المشتبه فيهم و تصفيتهم واحد واحد بعد غربلتهم و إلصاق التهم بهم جزافا بالرغم أن العدو لم يتمكن إلقاء القبض علي أين منهم متلبس أو معترف و لم يزداد إلا حسرة وغيضا و شحنته و بعدها فك الحصار و عاد الأهالي إلى بيوتهم و حياتهم الطبيعية بعد الحادثة و الفاجعة التي حلت بالعدو و ألمته,

– وحدة الشعب و تماسكه رغم تشديد الخناق:

بالرغم من المنحة التي تعرض لها الشعب من عامة الناس وأهالي المدينة بكافة أطيافه وفئاته, إلا أنه ظل صابرا متحدا متماسكا وصامدا صامتا لا يبوح بأي كلمة ولا يفشي سرا. ونكرانه لكل ما نسب إليه رغم التعذيب والتنكيل به لدرجة إلحاق الأضرار الجسدية به, ناهيك عن الأضرار المعنوية التي لا تعد ولا تحصى من إذلال وإهانه التي يندى الجبين لسماعها وتدمع العين لها وتقشعر الأبدان لها. فما بال من تعرض لها وعايشها وشهادها. فبمجرد تذكرها أو التحدث فيها تنهار قواه ويخر مغشيا عليها وتنفجر يناه بكاء لا يمكنه مقاومته والإمتناع عنه من هول ما وقع له و تعرض له .

إجراءات و ممنوعات:

بعد الإستنطاق والإستجواب والسجن والعزل والتعذيب إتخذت سلطات الإحتلال سلسلة من الإجراءات التعسفية منها عملية جرد السكان وإحصائهم وتقيديهم في سجلات ودفاتر خاصة بالنسبة للسكان داخل المدينة وللمتنقلين وللبدو الرحل خصوصا, كما وضعت شرط للتزود بالبطرية الإضافة والمذياع و ومنع إستعمالهم وما شابه ذلك من الممنوعات, وواصلت حملتها في ترويع الأهالي بكل ما أتيح لهم وما لا يتصوره عقله لدرجة لا تطاق ولا تصدق.

الهدف من الحصار:

حيث كان هدف المحتل الغاشم يهدف إلى عزل الثورة عن الشعب وخنقها وترويع السكان العزّل وترهيبهم , لكي لا يقدموا أي دعم مهما كان للثوار و المجاهدين والتستر عليهم و تسهيل مهماتهم وخدمتهم وإخفائهم عن أعين العدو ويعد هذا الحصار من أكبر الحصارات التي شهدتها مدينة متليلي الشعانبة إبان ثورة التحرير المظفرة. وعلى الرغم من التعذيب الذي سلط على الموطنين والرجال المشتبه فيهم, إلا أنهم فضلوا السكوت وعدم البوح و فضلوا الموت تحت رحمة التعذيب بشتى أنواعه ووسائله المستخدمة على الخيانة مما زاد جنون العدو جنونا وقرر الإنتقام من كل السكان أشد الإنتقام بما لايمكن وصفه وتذكره حسب شهود العيان.

نتائج الحصار:

لم يعطي الحصار أية نتيجة من النتائج التي كان يتوقعها وينتظرها العدو الفرنسي بالنسبة له بل كانت النتائج مشجعة ومفرحة وعادت بفائدة لم تكون منتظرة ولا متوقعة لثورتنا المظفرة ومجاهدين الأبطال الذي زاد الثورة قوة على قوة وتنظيما محكم وللرجال صمودا وشموخا وللنسوة فرخا وإعتزازا وتضامنا أكثر من ذي قبل والتشمير على سواعدهم بتقديم كل ما في مقدورهم لإنجاح ثورتنا المظفرة.

ولقنت العدو المحتل درسا قاسيا بقي منقوش في الذاكرة لن ينساه أبدا والذي يبقي وصمة عار أبدية في سجلاته و محافله و في أذهان من قام بذلك لا يمكنه من نطقها و الإعتراف بها.

ما لم تكتفي سلطات الاحتلال وجنوده الوحوش بالحصار والتعذيب و الإستنطاق بل قامت بالحرق والتخريب والنهب والإتلاف فحتى المواشي والبهائم لم تسلم من بطشه وغطرسته وعنفه الذي لا يفسر إلا كرد فعل إنتقامي بغير تكافؤ نظير إنهزامه في المعارك الحربية التي وقعت بداية من سنة 1957 وتواصلت طوال سنوات ثورتنا المظفرة والتي يشهد العدو بنفسه واصفا منطقة متليلي الشعانبة بالأوراس الثاني و ببسالة المجاهدين وشهدائنا الأبرار رحمة الله عليهم وبشجاعة السكان و الأهالي وصبرهم وصمودهم تحت طائلة شتى الأنواع و التي يعجز اللسان عن وصفها و ذكرها و التي يندى لها الجبين متصببا عرقا و تقشعر لها الأبدان لهولها.

خلاصة القول وليس أخيرا:

فألف ألف تحية تقدير وعرفان وترحما لشهدائنا الأبرار ولرجالنا الشجعان الرجال الأشاوس ولمجهدينا الأبطال ومجاهداتنا الكريمات و لنسائنا الشريفات بنات الأحرار عن مجهوداتهم ومواقفهم الباسلة و شجاعتهم لصد العدو و قهره رغم ثقل أسلحته و وسائله بالرغم أنهم مجردون من أي سلاح يقاومن به و يدافعن به عن أنفسهم كان سلاحهم عزيمتهم وإيمانهم برجالهم وبثورة شعبهم وبإعتمادهم على الله وتحت راية لا اله الا الله محمد رسول الله و كل سنة وجزائرنا بخير ومجاهدين بصحة وعافية ومتليلي الشعانبة تنعم خيرا و ترقى رقيا .عاشت الجزائر حرة والمجد و الخلود لشهدائنا الأبرار.

خاتمة:

كانت هذه نبذة مختصرة لحصار متليلي الشعانبة قلعة الثوار الأشاوس أرض المعارك والبطولات والثورات الشعبية كما تشهد عليها مقابرها منتشرة بكل جهة بالمدينة ,كمحاولة ونتعذر إن لم نوفق و لم أكون صائبين في نقل الحدث كما روي لنا وأطلعنا به من طرف من عايشوه.

الحاج نورالدين بامون / أمين ولائي سابق للدراسات والأبحاث التاريخية بالمنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين بولاي غرداية –عضو المجلس الوطني،

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك