الحرب النفسية و الحرب النفسية المضادة اثناء المفاوضات

منقول

في اليومين الأخيرين تصاعدت أنباء عن مفاوضات حساسة بين الوسطاء والكيان بشأن مجموعة من رجال المقاومة المتحصنين في أنفاق رفح، المدينة التي يزعم الكيان أنه يسيطر عليها بـــ الكامل.
تشير المعلومات إلى أن هؤلاء الشباب، وعددهم يقارب الــــ 200، هم أنفسهم الذين نفذوا العمليات الأخيرة التي أوقعت قتلى وجرحى في صفوف جيش الكيان.
وقد قيل كما سمعنا من الأخوة بالقطاع إن الاتصال بهم منقطع (أو هكذا أعلنوا لسبب ما )، وإنهم محاصرون داخل المدينة منذ أسابيع، وربما لا يعلمون شيئاً عن أي هدنة أو وقف لإطلاق النار، ولا يُعرف كيف يؤمّنون طعامهم وشرابهم في تلك الظروف القاسية.
تسرب هذا الخبر وحده إلى الإعلام العبري كان كفيلاً بـــ إشعال عاصفة سياسية داخل الكيان.
إذ أُعلن في البداية أن الحكومة وافقت على خروج المقاومين من رفح إلى مناطق أخرى داخل القطاع تحت سيطرة المقاومة، لكن بــــ شرط أن يخرجوا بلا سلاح.
فور انتشار الخبر، اشتعل الهجوم على ابن تسيلا، وانهالت عليه الانتقادات من اليمين واليسار على حد سواء.
فاتهمه المتشددون بــــ الخضوع للمقاومة، وطالب بن غفير علنًا بإعدامهم أو اعتقالهم، بينما حاول آخرون تبرير الأمر بأنه ربما جزء من صفقة لاستعادة جثث جنودٍ مفقودين.
ومع استمرار الهجوم، سارع مكتب ابن تسيلا إلى نفي القصة كلها، لكن الضرر كان قد وقع، وأصبح الكيان يعيش حالة من التخبط والتناقض، دون أن تصدر المقاومة أو الوسطاء أي تعليق رسمي يؤكد أو ينفي ما يجري.
لكن ما لم يُدركه كثيرون هو أن المقاومة كانت تلعب لعبة سياسية معقدة مع كل من تورط في هذا الملف.
إذ وضعت شرطًا أساسياً لاستمرار أي مفاوضات أو عمليات ميدانية، وهو تأمين المنطقة التي يُفترض أن تُجرى فيها عمليات البحث عن جثث الأسرى والمفقودين.
هذا الشرط البسيط في ظاهره قلب المشهد رأساً على عقب، وأربك الكيان من الداخل، فوجد ابن تسيلا نفسه بين ضغط أهالي الأسرى الغاضبين من جهة، وغضب وزرائه المتشددين من جهة أخرى.
في المقابل، خرجت تسريبات من الكيان تتحدث عن نية الجيش سد الأنفاق بالأسمنت أو تفجيرها، لكن المؤشرات على الأرض تؤكد أن تلك التهديدات لم تُنفذ، وربما لم تكن سوى محاولة لــــ تهدئة المتشددين في الحكومة أو لإسكات الجمهور الغاضب.
فـــــ المقاومة تدرك أن هذه التهديدات ليست سوى حرب نفسية، وأن الكيان يخشى أكثر ما يخشى المشهد ذاته : أن يرى العالم رجالنا يخرجون أحياءً من باطن الأرض في رفح، المدينة التي أعلن السيطرة عليها منذ عامين، بعد أن دمرها تماماً وأنشأ فيها ميليشيا تابعة له.
تلك الصورة وحدها، حتى وإن لم تقع بعد، كافية لإرباك وعي العدو وإسقاط هيبة جيشه أمام جمهوره.
فــــ المسألة ليست عدد الرجال أو موقعهم، بل هي معركة وعي وإدراك.
حين يكتفي إعلام المقاومة بــــ الصمت، ويترك الإعلام العبري يتخبط بين تسريبات ونفي وتصريحات متضاربة، يبدأ الكيان في الانهيار من داخله : نفي رسمي، اتهامات متبادلة، تصريحات متشنجة، وتحريض ضد الأسرى والمقاومة معاً.
بهذا الصمت الذكي، تُثبت المقاومة مرة أخرى أنها لا تقاتل بــــ البندقية وحدها، بل بـــ العقل والإشارة والتوقيت.
تعرف متى تتحدث ومتى تترك عدوها يغرق في ضباب شكوكه، وتفهم أن المعركة الأهم ليست في الأرض فقط، بل في إدراك العدو لنفسه.
لقد تحولت الحرب في الأرض المباركة إلى ميدانٍ تُختبر فيه العقول قبل السواعد، والمقاومة اليوم تُبرهن أن الصراع مع الكيان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وعي شاملة، من يُحسن إدارتها يربح الجولة حتى قبل أن تبدأ.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك