الضمير المستأجر: منابر عربية تُمجّد القاتل وتدين الضحية!
منذر علي
في عالم لا يزال يحمل بعض بقايا الضمير، خرج الآلاف من القادة والكتّاب والمثقفين حول العالم: من أميركا اللاتينية إلى جَنُوب أفريقيا، ومن آسيا إلى أوروبا، لإدانة العدوان الإسرائيلي على إيران، كما أدانوا قبل ذلك المجازر اليومية في غزة، حيث يقترف الكيان الصهيوني الإبادة باسم “الدفاع عن النفس”، ويُمارس العنصرية في ثوب الحداثة.
لكن ما يُثير الغثيان حقًا، ليس فقط صمت بعض الأنظمة، بل تواطؤها الصريح أو الموارب. إذْ أنَّ كثيرًا من القادة العرب، الذين استهلكوا شعوبهم في سرديات الطائفة والقومية، لا يرون في العدوان الإسرائيلي عدوانًا، بل “انتصارًا للعرب”، أو “حماية للسنة” من الخطر “الشيعي والتوسع الفارسي”.
هكذا تتحول إسرائيل، بمقتضى هذا المنطق، المعطوب بالجهل، إلى حامية للعروبة، لا لأنها تغيرت، بل لأن بعض العقول العربية تكلّست، وتحوّلت إلى أبواق دعائية تُعيد إنتاج الخطاب الصهيوني بحروف عربية وصيحات دينية.
المثقفون المأجورون، الذين يُسمّون أنفسهم “ليبراليين” أو “حداثيين”، لا يترددون في تبرير القصف، وتحريض الدولة الصهيونية على إيران، باعتبارها “كهنوتًا شيعيًا”، يجب اجتثاثه لمصلحة “العقلانية السنية”. هؤلاء لا يدافعون عن الحرية، بل عن امتيازاتهم، ولا ينطقون باسم الديمقراطية، بل باسم المصالح، التي يُمليها المال الخليجي والرضا الغربي.
والمفارقة الأكثر فظاعة، هي أن بعض من ينتسبون إلى اليسار اليمني أو ما تبقى منه، قد انزلقوا إلى هاوية أخلاقية مدوّية. فهم يجهلون أو يتجاهلون الصورة الكبرى لتحولات القُوَى الاستعمارية التوسعية الشرسة التي تهدد العالم العربي والإسلامي والشعوب المستضعفة في العالم، و يتحدثون عن “كهنوت إيراني”، و”استبداد حوثي”، و”شمولية لبنانية”، و”ظلامية جزائرية”، و”أصولية روسية وصينية”، في حين يصفّقون لدولة استيطانية فاشية مجرمة، ترى في الفلسطيني عبئًا ديموغرافيًا، وفي العربي مشروع تهديد وجودي، وفي نفسها “واحة ديمقراطية” لا تُمسّ.
إنهم يرفضون كل ما له صلة بالمقاومة، لا لأنهم يكرهون العنف، بل لأنهم باتوا أدوات في مَكِنَة القمع الإمبريالي والصهيوني. إنّهم يتحدثون عن “العَلمانية”، لكنهم لا يرون منها إلا ما يُبرر التحالف مع مؤسسة استعمارية كإسرائيل.
يتغنّون بـ “الديمقراطية”، لكنهم يصمتون عن واقع الفصل العنصري، وجرائم الحرب، والقتل الممنهج، ويدينون فقط من يجرؤ على الخروج من طابور الطاعة الغربية. إنّهم، ببساطة، نسخة عربية مكرّرة من الدعاية الصهيونية ذاتها:
يريدون من إيران — المُعتدى عليها — أن “تتأدب”، وأن “تلتزم بالنظام الدَّوْليّ”، وأنْ “تتخلّى عن مشروعها”، وأن “تندمج في العالم المتحضر”، أي أن تصبح نسخة من أنظمة الخليج، التي تُطبّع، وتُمول، وتحرس المصالح الإمبريالية والصهيونية، تحتل الأراضي اليمنية، وتُدين كل مقاومة باسم الواقعية السياسية.
يريدون من طهران أن تُشارك في الإبادة في غزة، لا أن تُدينها. أن تُصفّق لمحو غزة، لا أن تحتجّ على الجريمة. أن تنضم إلى “محور العقلانية”، كما تصفه الصِّحافة الغربية، الذي لا يختلف في جوهره عن عقل المستعمِر القديم، سوى في الأدوات واللغة.
اللعنة، لا على الجهل، بل على التواطؤ. اللعنة على من يرى في القتل وسيلة للتوازن الطائفي، وفي الاحتلال طريقًا إلى الحداثة، وفي الاستعمار “تحالفًا استراتيجيًا”.
اللعنة على نُخب باعت ضمائرها، وتحوّلت إلى أدوات في يد القوة، لا فرق فيها بين يساري مرتزق، وليبرالي مأجور، وإسلامي طائفي.
في مواجهة آلة القتل، لا توجد منطقة رمادية. إما أن تكون مع الضحية، أو مع الجلاد. وإما أن تؤمن بأن الشعب الفلسطيني، وكل من يسانده، يقف على الجانب الصحيح من التاريخ، أو أن تُصبح مبررًا إضافيًا لاستمرار الجرائم.



إرسال التعليق