السوداني يقترب من الولاية الثانية…
علي قاسم الكعبي
تشهد الساحة العراقية حالة من الرفض الشعبي المتصاعد للمشاركة في الانتخابات، ولا يقتصر على التيار الصدري فحسب، بل يمتد ليشمل شريحة واسعة من العراقيين الذين يرون في المقاطعة أبلغ رسالة اعتراض على المشهد السياسي القائم. وفي المقابل، يواصل الفرقاء السياسيون حراكهم الحزبي بتصعيد ملحوظ في لهجة الخطاب الطائفي، في محاولة لكسب الحشود. ويرى المراقبون أن الترويج للخطاب الذي تجاوزته البلاد بعد مرارة التجارب، هو في حقيقته مؤشر ضعف وفشل لتلك الجهات في تقديم برامج حقيقية.
السوداني واثقٌ ثقة بالنفس على رصيد الإعمار والحياد
تفيد تقارير عدة نشرتها مراكز بحثية بأن رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، يبدو واثقًا من نفسه أكثر من خصومه الكبار. وتتجلى هذه الثقة في خطوات استباقية اتخذها، أبرزها:
استقطاب نخبوي: نجاحه في ضم واستقطاب عدد من النواب المنشقين عن الأحزاب الحاكمة ذات النفوذ الكبير.
رصيد الإعمار: حصوله على رضا نسبي من خلال تحريك عجلة الإعمار في المدن العراقية.
سياسة النأي بالنفس: نجاحه في تطبيق سياسة الحياد وعدم الانجرار إلى صراعات المنطقة، وهو ما ظهر جليًا في عدم مشاركته بأحداث سوريا وإيران، بالإضافة إلى قرارات حساسة مثل إطلاق سراح الباحثة إليزابيث تسوركوف.
ولعل الخطوة الأكثر جرأة كانت سحب مشروع قانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي، الذي يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا. وينظر البعض إلى تعامله مع هذه الملفات الحساسة بـ”التقية” السياسية التي دفعت كرة النار عن العراق.
“إحياء مشروع حكومة الأغلبية”.. مشروع الصدر يُولد من جديد بيد السوداني
السؤال الذي يطرح نفسه في الأروقة السياسية هو: “ماذا لو فاز؟ هل سيكون مصيره مصير الصدر؟”. الإجابة تكمن في قراءة معطيات الواقع، حيث تشير مصادر إلى أن السوداني قد قام بالفعل بإحياء وتفعيل برنامج حكومة الأغلبية الوطنية الذي كان ينادي به السيد مقتدى الصدر، بوصفه الحل الأمثل لإنقاذ ما تبقى من الدولة.
ويُفسر هذا التوجه من خلال مد جسور التواصل مع الأقطاب السنية والكردية، ممثلة بالبارزاني والحلبوسي والخنجر. ومؤخرًا، أكد وزير الخارجية فؤاد حسين إزالة العقبة التي كانت تعوق صرف رواتب موظفي كردستان، رغم التخوف الكردي من “الثوابت الاستراتيجية” التي تحكم تحركات الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتها حسم ملف النفط والرواتب ضمن الأطر الدستورية.
“المالكي وخطر الدولة العميقة يقود تحالف “الأقوياء”
في المقابل، يبرز نوري المالكي كأخطر منافس للسوداني. فالمالكي لا يزال يتمتع بكاريزما قوية وبوصفه “رجل ظل ومنظِّر” لفكرة قيادة الدولة العميقة، فضلًا عن جمهور يتميز بحركته القوية عند اشتداد الصراع مع التيار الصدري.
ولم يقف المالكي متفرجًا على محاولات السوداني لكسب ود الكرد والسنة. وتشير الأنباء إلى حراك يقوده المالكي لتدشين تحالف جديد يُعرف باسم «الأقوياء»، يهدف إلى جمع «الحزب الديمقراطي الكردستاني» وائتلاف «دولة القانون» و«تحالف العزم» السني. ويسعى السوداني، وفق المصادر، إلى منع المالكي من العودة إلى رئاسة الحكومة أو التحكم في مسارات تشكيلها المقبلة، مما يؤكد أن هذا التحالف الناشئ هو ساحة الصراع الرئيسية.
“العامل الحاسم” هل تحسم واشنطن مصير الولاية الثانية؟
يردد بعض منافسي السوداني من قوى الإطار التنسيقي أنه لن يصل إلى الولاية الثانية، وأن مصيره سيكون إفشال مشروعه كما تم إفشال تحالف الصدر.
لكن المحللين يشيرون إلى متغير حاسم: الرضا الخارجي. فإفشال تحالف الصدر كان سببه خارجيًا أكثر منه داخليًا. أما السوداني اليوم، فيحظى بقبول خارجي كامل، وهو ما يتجسد في رضا واشنطن عن أدائه. وفي هذا السياق، أشار المبعوث الأمريكي (سافايا) في منشور له إلى أن قيادة العراق أخذت “خطوات مهمة كي توجه البلد في الطريق الصحيح سياسيًا واقتصاديًا”، وأن العراق بدأ “يعود كدولة ذات سيادة، ويعمل على تقليل التأثيرات الخارجية، ولمّ السلاح بيد الحكومة الشرعية”.
ويبدو أن الدعم الإقليمي والدولي للسوداني، مقترنًا بمساعيه لبناء الأغلبية، قد يكون العامل الحاسم الذي يمنحه فرصة نادرة للإفلات من مصير سابقيه والانتقال إلى ولاية ثانية. ثمّة أمر هام هو أن الرضا الخارجي قد يسبب صداعًا للتيار الصدري الذي صمت كثيرًا وربما يحفزه على عمل ما يقلب الطاولة.



إرسال التعليق