الثأر في المجتمعات من العاطفة الى السياسة

الثأر في المجتمعات من العاطفة الى السياسة

نصرت كيتكاني

الثأر في المجتمعات من العاطفة إلى السياسة
قراءة في ثقافة الانتقام و تحولها إلى أداة للصراع العام
الثأر ليس مجرد جريمة فردية تنبع من الغضب بل هو منظومة فكرية واجتماعية تنشأ حين يصاب الناس بالظلم دون أن يجدوا عدالة تنصفهم .
في غياب القانون أو الثقة بالمؤسسات يتحول الشعور بالظلم إلى انتقام شخصي أو جماعي فتتوارثه الأجيال حتى يصبح جزءا من الهوية .
وهنا تبدأ المأساة حيث يتحول الدفاع عن الحق إلى إدمان على العنف و تصبح الكرامة مبررا للدم لا للعدل .
أولا ـ الثأر كظاهرة اجتماعية :
في المجتمعات التقليدية يربى الأفراد على أن الدم لا يغسل إلا بالدم .
هذا المبدأ رغم أنه ولد في بيئة غابت عنها الدولة إلا أنه استمرّ حتى في ظل وجود القانون .
فالثأر في جوهره ليس حاجة للعدالة بل بحث عن التوازن النفسي والاجتماعي بعد الإهانة أو الفقد .
لكن ما إن يبدأ حتى يفقد صاحبه السيطرة عليه و يتحول إلى عادة جماعية تلتهم الجميع .
وتظهر دراسات اجتماعية أن المجتمعات التي تستبقي الثأر كقيمة تكون فيها معدلات العنف و النزاعات القبلية أعلى وتضعف فيها ثقة الناس بالمؤسسات .
لأن من يعتقد أن العدالة لا تأتي إلا بالسلاح لن ينتظر حكم المحكمة ولن يؤمن بحوار السياسة .
ثانيا ـ البعد السياسي للثأر:
الثأر في السياسة لا يختلف كثيرا عن الثأر بين الأفراد .
فالدول مثل البشر تصاب بالغرور و الوجع والخوف و تتصرف أحيانا من منطلق رد الكرامة أكثر من البحث عن حلول حقيقية .
في الصراعات الإقليمية والداخلية على حد سواء نرى كيف يتحول الانتقام إلى منهج سياسي :
أحزاب تنتقم من خصومها بدل أن تصلح مؤسساتها .
أنظمة تعيد إنتاج الماضي تحت شعار عدم النسيان .
شعوب تساق إلى الحروب بذريعة الرد على الإهانة الوطنية .
وهكذا يصبح الثأر السياسي أداة لإدامة النزاعات لا لإنهائها .
إنه وقود للخطاب العاطفي حتى لو كان الثمن مستقبل وطن بأكمله .
ثالثا ـ بين العدالة والانتقام :
الفرق بين العدالة و الثأر بسيط في الظاهر لكنه عميق في الجوهر :
فالعدالة تبحث عن الحق وتنتهي الألم .
و الثأر يبحث عن الألم و يبقيه حيا .
كما أن العدالة تحتاج إلى عقل و الثأر إلى غضب .
وحين تسيطر الغريزة على الوعي الجمعي يتحول المجتمع إلى ساحة صراع دائمة تغذيها الذاكرة الانتقائية التي تحفظ الإساءة وتنسى ما بعدها .
رابعا ـ الدرس التاريخي :
منذ قصة الزير سالم و حرب البسوس في الجاهلية والناس يعرفون كيف يبدأ الثأر ولا يعرفون كيف ينتهي .
بدأت الحرب من ناقة وانتهت بخراب قبيلتين .
واليوم تتكرر الحكاية في السياسة والحروب الحديثة حيث يقتل الحاضر باسم الماضي و يدمر المستقبل باسم كرامة قديمة .
خامسا ـ نحو ثقافة تسامح لا نسيان :
فالتسامح لا يعني التنازل عن الحق بل اختيار طريق آخر لاستعادته .
فالمجتمعات التي تتعلم أن تغفر دون أن تنسى و تتعامل مع الجراح بالحكمة لا بالغضب هي وحدها القادرة على النهوض من تحت الركام .
التاريخ يثبت أن الأمم لا تبنى بالثأر بل بالعدالة و المصالحة ولا تنهض الشعوب التي تربي أبناءها على الانتقام بل التي تعلمهم أن الكرامة تستعاد بالقانون لا بالدم.
فالثأر حين يتحول إلى ثقافة يصبح عدوى سياسية واجتماعية تقتل الوعي قبل الأجساد .
ولن تخرج مجتمعاتنا من دوامة الألم ما لم تؤمن أن السلام ليس ضعفا بل وعيا أرقى من الغضب .
فكما قال أحد الحكماء :
من أراد أن ينتقم اليوم فليتذكر أنه قد يترك غدا طفلا جديدا يبحث عن انتقام آخر.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك