أميركا تتبنى الترجمة الإسرائيلية للاتفاق
نهاد أبو غوش
تفهّم الإدارة الأميركية لمبررات خرق إسرائيل لاتفاق وقف اطلاق النار، وتأكيدها أن كل ما جرى في 29 اوكتوبر – سلسلة هجمات على مدار أربع وعشرين ساعة أوقعت أكثر من مائة شهيد فلسطيني ومئات الجرحى- لا يمس بصمود الاتفاق، ولا بالإجماع الدولي حوله والتزام الطرفين به، يؤكد دون اي التباس تبني واشنطن للترجمة الإسرائيلية للاتفاق: أي حق إسرائيل في العمل ضد كل ما تراه تهديدا لها ولأمنها سواء كانت هذه التهديدات عملية وواقعية مثل عمليات إطلاق النار، أو التقرب المسلح من مواقع جيش الاحتلال، أو محاولات اشتباك في أي مكان، وحتى مجرد الزعم أن معلوماتها الاستخبارية تنبئها أن ثمة من يحاول او يخطط أو يفكر في عملية. طبعا تسري هذه الترجمة على محاولات اعداد من المهجرين المجوّعين الفلسطينيين الاقتراب من بيوتهم المدمرة أو من اي مكان كان مأهولا أملا في الحصول على أي شيء يفيدهم في رحلة العذاب والتشريد كما حصل مع عائلة البنا في مخيم البريج التي استشهد عشرة من أفرادها بينهم سبعة أطفال وثلاث نساء لدى محاولتهم الاقتراب – مجرد الاقتراب- من المخيم، علما بأن الخط الصفر الذي عينته الاتفاقية هو خط وهمي اعتباطي ولا يمكن حتى لخبراء الخرائط أن يميزوه فكيف بالإنسان العادي .
إذن حكومة إسرائيل تختلق الذرائع للمماطلة، وما دامت مصلحتها تكمن في إعاقة الانتقال إلى المراحل التالية، فليس من المستبعد قيامها بافتعال حوادث، بواسطة عملائها وميليشيات اللصوص التي سلحتها وابقتها في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال. وهكذا فإن حكومة الاحتلال تتمنى اختزال الاتفاق في المرحلة الأولى فقط من دون الانتقال للمراحل التالية، لكنها تعلم أن العالم لا يقبل ذلك، والإدارة الأميركية بشكل خاص لا تقبل ذلك لأنها تدرك أن وقف الحرب في غزة هو مفتاح خططها ومشاريعها لتثبيت نفوذها في الشرق الأوسط، وهي لا يمكنها إغضاب كل حلفائها من أجل استرضاء الجناح اليميني الأكثر تطرفا في إسرائيل، لذلك سيلجأ نتنياهو لخياراته البديلة وهي المماطلة والتأجيل ما أمكنه ذلك، ثم محاولة إثبات أن إسرائيل هي من يملك حق تفسير القضايا الملتبسة والإشكالية، وهي التي ستحكم على مدى التزام الفلسطينيين بالاتفاق وبخاصة إزاء قضايا إشكالية عويصة مثل “جعل غزة منطقة خالية من الإرهاب والتطرف أو سحب سلاح المقاومة، أو الإصلاحات التي ينبغي للسلطة القيام بها لكي تغدو طرفا مؤهلا لتسلم مسؤوليات جزئية أو شاملة في غزة.
كيف يرد الفلسطينيون على هذه التطورات المتلاحقة وهم في هذه الحالة من الضعف وتخلي العالم عنهم ( وخاصة المحيط العربي والإسلامي الذي يكتفي بالتفرج بينما تهم مدن العالم الغربي لنصرة الفلسطينيين والتنديد بجرائم إسرائيل. الفلسطينيون يواجهون معارك متعددة على عدة جبهات. الحرب بشكلها الأكثر توحشا ودموية انتهت ولكن السلام لم يبدأ بعد، أحد أهم التحديات أمام الفلسطينيين هي محاولات إسرائيل الفصل بين الضفة وغزة، ومحاولات جعل “مجلس السلام” و”قوات حفظ الاستقرار” وسيلتين لفرض وصاية على غزة، وإسرائيل نفسها لم تتخل نهائيا عن مخططات تهجير الفلسطينيين وتصفية قضيتهم وحقوقهم الوطنية، وتهجيرهم من الضفة وغزة، لذلك فإن الشرط الأهم لتمكين الفلسطينيين من التصدي لهذه المخاطر والتحديات هو توفير الحد الأدنى من متطلبات الوحدة الوطنية ويمكن البدء بمقررات الحوار في بكين، واجتماعات الأمناء العامين لإيجاد قيادة وطنية موحدة وحكومة توافق وطني. خلال العامين الطويلين والقاسيين لحرب الإبادة عانى شعبنا من الانقسام على جميع المستويات، وها نحن امام نتائج كارثية ففي ظل الانقسام لا المقاومة وحدها يمكن ان تحقق نتائج ناجعة، ولا المفاوضات والخيار السلمي وحده يمكن أن تنجز حقوق شعبنا، وخلال هذين العامين اتسم موقف السلطة وفصائل الحركة الوطنية ومؤسساتها في الضفة بسمات أقرب إلى العجز والشلل وانتظار أن تقر دول العالم بدور السلطة، وهو ما لا يمكن أن يتحقق على الاطلاق من دون انخراط السلطة وما تمثل بكل إمكانياتها في هذه المعركة الكبرى على جميع جبهات الصراع السياسية والدبلوماسية والقانونية واستنفار كل إمكانيات المقاومة الشعبية في الضفة، حرب الإبادة والتدمير والتهجير كشفت طبيعة إسرائيل خلقت أجواء تضامنية لا سابق لها على مستوى عالمي وخاصة في دول الغربية والتي كان من ثمارها اعتراف مزيد من الدول بالدولة الفلسطينية، ولكن كل ذلك يمكن أن يظل حبرا على ورق ما لم يقترن بأداء فلسطيني فاعل يستند إلى قاعدة الوحدة الوطنية، موقف عربي وإسلامي داعم .



إرسال التعليق