الإلحاد.. خرافة العصر المقنّعة بالعلم
لم يعد الإلحاد في صورته الحديثة مجرد حالة فردية من ترك الدين أو الانسلاخ من الإيمان، بل تحوّل إلى أيديولوجيا منظّمة تُسوَّق كدين بديل له دعاته ومنابره ومنظماته العابرة للحدود، يعمل على التبشير بفكرة “اللا إيمان” وكأنه الحقيقة الجديدة. هذه الأيديولوجيا تبني خطابها على مغالطة كبرى، هي الزعم بأن الأخلاق يمكن أن تنشأ وتستمر بلا إيمان، وأن الضمير الإنساني قادر وحده على صناعة منظومة قيمية مستقلة.
لكن الحقيقة أن الأخلاق – مهما اختلفت صورها – تحتاج إلى مرجعية عُليا ثابتة، وإلا صارت مجرد اختيارات نسبية تتغير بحسب المصلحة والقوة. قد نجد شخصًا ملحدًا يتحلى بصفات أخلاقية فردية، لكن من المستحيل بناء نظام أخلاقي متماسك على أساس عبثي ينكر الخالق، ويعتبر الكون وليد صدفة عمياء بلا حكمة ولا غاية.
الأخطر في موجة الإلحاد الجديدة هو ارتباطها الزائف بشعار “التنوير”. فالتنوير في جوهره دعوة إلى تحرير العقول من الجمود وتصحيح المفاهيم، لكن حين يتبناه دعاة الإلحاد يتحوّل إلى مشروع لهدم الثوابت وزعزعة الإيمان، مما يُحدث صدمة تنفّر الناس من أي دعوة صادقة للتجديد والإصلاح. وهنا تصبح أكبر خدمة تُقدَّم لأعداء التنوير الحقيقي هي تسليم رايته للملاحدة.
الإلحاد إذن ليس سوى خرافة مقنّعة بالعلم، تُقدَّم كفلسفة عصرية بينما حقيقتها مكابرة على الفطرة، أو هروب من الالتزام الديني، أو حتى حالة من الاضطراب النفسي. وهو عاجز عن بناء حضارة أو تأسيس فكر إنساني شامل، لأن كل بناء يحتاج إلى أساس راسخ، وأساس الإلحاد فراغ.
الخلاصة أن الحضارة الإنسانية قامت وتطورت حين استندت إلى الإيمان الذي يمنح للحياة معنى وغاية، أما الإلحاد، فمهما زخرف نفسه بالشعارات والعلوم، سيظل عاجزًا عن ملء فراغ الروح أو تأسيس منظومة قيم تُبنى عليها حياة مستقرة وعادلة
د محمد إبراهيم بسيوني



إرسال التعليق