الإبداع سِرُّ الوجود بين الأنانية والعهدة المجتمعية
الإبداع سِرُّ الوجود بين الأنانية والعهدة المجتمعية
حشاني زغيدي
في سيرورة الحياة وتأملات العمر، تتوقف السائر وخزات إبر التجارب، تشغل مولد الانتباه، تفتح أعيننا على حقائق مصيرية عن النجاح والفشل. إنها شارات منبهة لمسيرة النجاح، يرى السالك تلك العوامل محاولاً فك كل شفرة فيها. تلك التجارب تحملنا أن تكون لنا وقفات نتعلم فيها كيف نحافظ على توازننا، نحافظ على اعتدال مسيرتنا، نحافظ على ثمرة نجاحنا.
الأصالة: لغز الوجود المبدع
لهذا نحاول أن نبني مشاريع حياتنا بصمة خاصة تحمل شفرتها المميزة، التي لا تمثل النسق الآخر. فالإبداع الحقيقي ليس مجرد إضافة هامشية على واقع قائم، بل هو خلق لواقع جديد، واقع ينبثق من أعماق الذات المبدعة. إنه ذلك السر الدفين الذي يجعل من كل عمل فني، كل فكرة، كل مشروع، كوناً قائماً بذاته.
ثنائية العطاء والاحتواء
ولهذا نحرص أن نتعلم ولا نقلد، نفكر ولا نسرق الأفكار، نجرب ولا نهمل ولا نستسلم. لكن يبقى السؤال الجوهري: كيف نوفق بين حماية إبداعنا وبين مسؤوليتنا تجاه المجتمع؟ إنها معادلة وجودية تحتاج إلى وعي عميق وحكمة بالغة.
حماية الإبداع: ضرورة وجودية
حاول أن تكتم أنفاسك قبل بلوغ الهدف، فسراق الأفكار كثيرون. كن كالنبتة تحجب نفسها حين الإنتاج، تكبر في هدوء حتى تنتج الثمار. هذه ليست أنانية كما قد يظن البعض، بل هي حكمة الوجود. فالثمرة التي تنضج في الخفاء تكون أطيب وأبقى. إنها سنة ولادة الإبداع الأصيل.
العطاء المجتمعي: مسؤولية أخلاقية
لكن هذا لا يعني الانكفاء على الذات. فالمبدع الحقيقي هو من يعرف متى يحمي إبداعه، ومتى يقدمه هدية للعالم. إنها رقصة متقنة بين الحماية والعطاء، بين الخوف والثقة، بين الشك واليقين.
أسس التعايش بين المبدع والمجتمع
الحماية الذكية للإبداع
لا بد للمبدع من أن يطور آليات مرنة لحماية إبداعه، منها:
· التدرج في الكشف عن الأفكار
· توثيق المراحل التطورية للإبداع
· اختيار الشركاء بعناية فائقة
· التمييز بين الإلهام والاستلهام
المشاركة الواعية
وعلى الجانب الآخر، على المبدع أن يدرك أن إبداعه ليس ملكاً له وحده، بل هو أمانة وجودية عليه أن يؤديها للمجتمع. ومن صور هذه المشاركة:
· توجيه الإبداع لخدمة القضايا المجتمعية
· خلق مساحات للإلهام والتأثير
· تطوير أدوات تمكين للأجيال القادمة
نحو عقد اجتماعي جديد
إننا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين المبدع والمجتمع، عقد يقوم على:
· الاحترام المتبادل لخصوصية العملية الإبداعية
· التفاهم المشترك حول حقوق وواجبات كل طرف
· خلق بيئة تحمي المبدع وتحافظ على حقه في العطاء المجتمعي
الخاتمة: في معنى العطاء الحقيقي
ليست المسألة مسألة أنانية أو إيثار، بل هي مسألة حكمة وتوازن. فالمبدع الذي يقدم إبداعه قبل أوانه كالزارع يقطف الثمرة قبل نضجها. والمبدع الذي يحتكر إبداعه كالشمس التي ترفض إشراقها على العالم.
إن الإبداع الحقيقي هو ذلك الذي ينضج في صمت، ثم ينطلق نوراً يضيء للجميع. هو ذلك الذي يحمل في طياته سر الخلق ومسؤولية العطاء. هو ذلك التوازن الدقيق بين حماية الذات والعطاء للآخرين، بين الخوف على الإبداع والشجاعة في تقديمه.
فليكن إبداعك كنبع الماء: يحفظ سر مجراه، لكنه لا يبخل بمائه على العطشان.
الأستاذ حشاني زغيدي



إرسال التعليق