أين حراس القيم في زمن التحوّلات العالمية؟
حشاني زغيدي
دعوة لليقظة والعمل الواعي
كأنما الأرض توقفت عن الدوران لحظة، وحلّ الصمت الثقيل مكان كل الأصوات… خبر كهذا يهزُّ الأعماق، ويدفع إلى إعادة النظر في الأولويات. في خضمّ صخب العالم وتسارع الأحداث، يتسلل سؤال وجودي إلى الوجدان: كيف نحافظ على هويتنا؟ من يحرس قيمنا وعائلاتنا في هذا الزمن المتغير؟ إنها لحظة توقظ النائمين، وتستفز الغيارى على ثوابت الأمة.
سيداو: قراءة نقدية في ضوء الثوابت
ليست المسألة رفضًا لكل ما هو عالمي، بل هي دعوة للتمحيص والحكمة. فبعض بنود الاتفاقيات الدولية، ومنها “سيداو”، تحمل رؤى وتفسيرات قد لا تتوافق مع ثوابت ديننا ونسيجنا الاجتماعي المتماسك. الخطر يكمن في تبني هذه البنود دون وعي أو مراجعة نقدية، مما قد يؤدي إلى تآكل التدريجي للقيم الأسرية التي تحكمها مواثيقنا المقدسة وتكامل الأدوار بين الرجل والمرأة كما رسمه حكمة الخالق.
الوصف التصويري: تحديات في ظل العولمة
هنالك، في الساحة الدولية، تتحرك تيارات فكرية جارفة. تنتقل بسرعة بالغة، وتؤثر في ثقافات الأمم، وتطرح مفاهيم جديدة حول المرأة والأسرة. في خضم هذا المد، أصبحت القيم الأسرية تحتاج إلى حراس أمناء يفقهون روح العصر ولا يغفلون عن جوهر هويتهم، ويستطيعون تمييز الصالح من الطالح، ويأخذون بما يتوافق مع ثوابتهم وينفع مجتمعهم.
نماذج خالدة: دروس في القوة والعطاء
وهنا تتجلّى الرمزية الخالدة: مريم العذراء – عليها السلام – ليست مجرد ذكرى، بل هي نموذج حيٌّ يتنفس. وقفت العفيفة الطاهرة صامدة كالجبل الأشم في وجه أعتى الابتلاءات، حمت كرامتها وشرفها بثبات إيمانٍ يندر مثيله، لتصبح رمزًا للثبات واليقظة.
ولكن نور الإسلام يقدم لنا أيضاً خديجة بنت خويلد (رضي الله عنها)، سيدة الأعمال والعقل والقلب، التي جمعت بين القيادة الاقتصادية الناجحة والعطاء الأسري المتوازن، وكانت سنداً للرسول صلى الله عليه وسلم وأول المؤمنين به. وفاطمة الزهراء (رضي الله عنها) ابنة النبي التي مثلت دور الأم والزوجة والبنت في أبهى صور التوازن بين الحقوق والواجبات. هؤلاء هن النماذج الحقيقية للتمكين الذي ننشده.
التحليل النقدي: الغفلة وأثرها في تقويض الثوابت
في غفلة عن مسؤولياتنا، أو انبهار بتوجهات الآخر، قد تتراخى الهمم. الغفلة عن أهمية الحوار المجتمعي الواعي هي البوابة التي قد تدخل منها الأفكار المتهورة. إن الانجراف وراء تفسيرات حرفية للنصوص الدولية دون تمحيص، أو تبنيها دون مراعاة لخصوصياتنا، هو تنازل عن مسؤوليتنا في بناء مستقبلنا بأنفسنا. فالأسرة هي اللبنة الأولى، التي إن ضعفت، اهتزّ كيان المجتمع بأكمله.
مقترحات عملية: من الصدمة إلى البناء
وإن درس السيدة مريم والسابقات يهمس في أذننا اليوم: الصمود واليقظة والتمسك بالقيم واجب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل. ولكي نترفق بقلقنا إلى فعل بناء، نقترح:
· مناعة فكرية واعية: بناء جيلٍ قادر على النقد والتمييز، عبر مناهج تعليمية تقدم نموذجنا الحضاري الأصيل وتناقش الأفكار الوافدة بموضوعية وعقلانية. ·تشريعات وطنية حكيمة: صياغة قوانين تحمي كيان الأسرة وتصون قيمها، مستمدة من ديننا وثقافتنا، وتكون نتاج حوار مجتمعي شامل. ·تحالفات مجتمعية فاعلة: إنشاء شبكات من الأسر والجمعيات والمؤسسات الدينية والثقافية لتعزيز الوعي وعرض نماذجنا الإيجابية كبديل عملي وجذاب. ·تمكين المرأة المسلمة الأصيل: دعم المرأة لتمارس دورها الكامل في المجتمع وفق رؤية متوازنة تستلهم نماذجنا التاريخية في القوة والعطاء والأخلاق، والتي تمكنها دون أن تتصادم مع فطرتها أو قيمها.
خاتمة وتأمل: دعوة لمسؤولية جماعية
أهمية الوعي الأسري في صناعة اليقظة المجتمعية لا تقبل التهاون. هل نحن فاعلون في حماية قيمنا؟ هل نشارك بفعالية في صياغة مستقبلنا؟ كما وقفت مريم العذراء وصاحبَاتِها صامدات، فلنقف نحن أيضًا… ليس وقفة انفعالية، بل وقفة إرادة وحكمة وتخطيط. حراسًا على الأسرة بوعي، وعلى القوانين بحكمة، وعلى الكرامة بثبات.
أسئلة مفتوحة… تدعونا للتفكر والفعل البناء:
· كيف نُحصّن بيوتنا بلغة الحوار والقدوة الحسنة؟ ·بأي آليات عملية نقدم بديلنا الحضاري الإيجابي للعالم؟ ·ما هو الدور المحدد لكل فرد في بناء مجتمع واعٍ وقوي ومتماسك؟
إنها دعوة للوعي الذي يبني… لليقظة التي تتحاور… وللصمود الأخلاقي الواثق الذي لا ينكسر… رسالة إلى كل قلب ينبض بحب الخير وكل عقل يتوق لبناء ما هو ثمين.
الأستاذ حشاني زغيدي



إرسال التعليق