التحولات في صورة إسرائيل عالميًا – في ضوء تآكل الدعم السياسي والإنقسامات داخل الشتات اليهودي

زياد الزبيدي

نشرت صحيفة الجيروزالم بوست الإسرائيلية، بتاريخ 14 آب/أغسطس الجاري بقلم دوغلاس بلومفيلد، تقريرًا موسعًا بعنوان:”هل يمكن إصلاح خسارة إسرائيل للدعم الحزبي؟”، يسلّط الضوء على التغيرات العميقة في الموقفين الدولي والأمريكي من إسرائيل، خاصة في سياق الحرب الأخيرة على غزة وتداعياتها. يشير التقرير إلى أن التعاطف العالمي الذي حظيت به إسرائيل بعد عملية السابع من أكتوبر 2023 بدأ يتلاشى سريعًا بفعل صور الدمار والضحايا المدنيين، وأن الدعم التقليدي لها داخل الولايات المتحدة – بين الحزبين السياسيين واليهود الأمريكيين – يمر بأضعف مراحله منذ عقود.
وسنحاول تسليط الضوء على أبرز المحاور التي وردت في المقال وربطها بالسياق الأوسع للعلاقات الأمريكية–الإسرائيلية، وللمكانة الدولية لإسرائيل.

أولاً: تراجع الدعم السياسي الأمريكي لإسرائيل

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، شكّل الدعم لإسرائيل القاطرة التي كانت تؤمن الأصوات لتمرير المساعدات الخارجية لباقي دول العالم. لكنّ التحولات الأخيرة أظهرت أن هذه القاطرة خرجت عن مسارها، مع تقلص “النواة المؤيدة لإسرائيل” في الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

داخل الحزب الديمقراطي، صوّتت أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ مؤخرًا لمنع بيع أسلحة لإسرائيل (وإن دون جدوى).

داخل الحزب الجمهوري، يتنامى التيار الانعزالي بين جيل الشباب تحت سن الخمسين، رافضًا فكرة “الإلتزام غير المشروط” بدعم إسرائيل.

هذا التآكل يعكس تغيرًا جيليًا وفكريًا عميقًا في الولايات المتحدة، حيث لم يعد دعم إسرائيل يُعدّ “بديهية سياسية”، بل أصبح موضع جدل داخلي متصاعد.

ثانياً: أزمة الصورة العالمية لإسرائيل

التعاطف الدولي الذي حصلت عليه إسرائيل بعد هجوم “حماس” في أكتوبر 2023، بإعتباره أكبر هجوم دموي على اليهود منذ المحرقة، سرعان ما إنقلب إلى عكسه مع تزايد صور القصف والضحايا المدنيين في غزة.

كل صورة لطفل جائع أو جثة تحت الأنقاض – حتى لو كان مشكوكًا في صحتها – تتحول إلى مكسب دعائي لحركة حماس.

السياسة الإسرائيلية المعلنة على لسان بعض قادتها، مثل منع المساعدات الغذائية، أسهمت في تعزيز صورة إسرائيل كقوة عقابية تسعى إلى “التجويع كسلاح”.

هكذا تتحول الحرب من معركة عسكرية إلى معركة صورة ورأي عام عالمي، وهي معركة تبدو إسرائيل خاسرة فيها يومًا بعد يوم.

ثالثاً: الإنقسام داخل الشتات اليهودي

من أبرز المحاور التي تناولها التقرير، التحولات داخل اليهود الأمريكيين:

•نتنياهو، منذ سنوات، فضّل التحالف مع الإنجيليين المسيحيين والجمهوريين المحافظين على حساب علاقته باليهود الأمريكيين الليبراليين، مما أدى إلى تآكل الدعم التقليدي له في واشنطن.

•إستطلاعات الرأي تظهر أن أجيال اليهود الأصغر سنًا أقل إكتراثًا بإسرائيل وأكثر إهتمامًا بالقضايا المحلية (مثل تكاليف المعيشة).

مثال بارز: زوهران مانداني، المرشح المسلم لرئاسة بلدية نيويورك، يحصل على دعم يهودي لافت (43%، وبين الشباب 67%) رغم وصفه إسرائيل بأنها “دولة فصل عنصري”.

هذا يعني أن الهوية اليهودية في الشتات لم تعد مرتبطة تلقائيًا بالدفاع عن إسرائيل، بل أخذت مسارات أكثر تنوعًا.

رابعاً: الإنعزالية اليمينية وتصدعات “ماغا” MAGA

في الجانب الجمهوري، يبرز تيار إنعزالي بقيادة حركة “ماغا”:

نائب الرئيس جي دي فانس أعلن صراحة أن قضايا أوكرانيا والحوثيين “مشكلات أوروبية وليست أمريكية”، ما ينذر بنقل هذا المنطق إلى الملف الإسرائيلي.

والنائبة مارجوري تايلور غرين ذهبت أبعد من ذلك، متهمة إسرائيل بالإبادة الجماعية، ومقدمة مشاريع قوانين لوقف المساعدات، رغم فشلها حتى الآن.

تقارير مثل “فاينانشال تايمز” تشير إلى أن ترامب نفسه إعترف لمتبرعين يهود بأن “شعبي بدأ يكره إسرائيل”.

إذن، الدعم الجمهوري الذي أعتُبر صخرة صلبة لإسرائيل، لم يعد مضمونا في ظل صعود القومية الإنعزالية والشعبوية.

خامساً: أزمة “اليوم التالي” في غزة

من أكبر نقاط الخلاف بين إسرائيل وواشنطن، غياب رؤية إسرائيلية لمرحلة ما بعد الحرب في غزة:

فبايدن إقترح الإنتقال التدريجي نحو إقامة دولة فلسطينية.

ونتنياهو يرفض هذا الخيار، ويطرح بديلاً عسكريًا قائمًا على السيطرة المباشرة وإيجاد “وكلاء محليين”.

أما ترامب فقد قدّم رؤية ضبابية، تحدث فيها عن “ريفييرا” بمشاريع سياحية في غزة، وهو طرح بعيد عن أي معالجة سياسية جوهرية.

هذا الغياب لرؤية واقعية يضع إسرائيل في مأزق إستراتيجي: كيف يمكنها السيطرة على ملايين الفلسطينيين مع الحفاظ على هويتها “كدولة يهودية ديمقراطية”؟

سادساً: البعد البنيوي للأزمة

الأزمة التي تواجهها إسرائيل ليست آنية ولا مرتبطة حصريًا بأحداث أكتوبر 2023. بل تعود جذورها إلى:

•التحولات الجيلية والسياسية داخل أمريكا والغرب.

•سياسات نتنياهو التي عززت الإنقسام الداخلي في إسرائيل، سواء عبر محاولات السيطرة على القضاء أو عبر التحالف مع قوى يمينية متطرفة.

•تغير أولويات اليهود في الشتات من الإنشغال بمصير إسرائيل إلى الإنشغال بقضايا حياتية محلية.

السيناريوهات المحتملة

  1. سيناريو إستمرار نتنياهو والتيار اليميني المتشدد

إستمرار نتنياهو أو تيار مشابه في الحكم سيعني الإصرار على الخيار العسكري والأمني كمنهج وحيد للتعامل مع الفلسطينيين.

هذا السيناريو سيؤدي إلى تفاقم عزلة إسرائيل الدولية، وتصاعد الضغوط في الأمم المتحدة والمحاكم الدولية.

داخليًا، سيعزز الإنقسام بين إسرائيل واليهود في الشتات، خاصة الأجيال الشابة.

وعلى المدى البعيد، قد يقود هذا السيناريو إلى تآكل مكانة إسرائيل في المنظومة الغربية، وإضعاف علاقتها بالولايات المتحدة كمصدر الدعم الأساسي لها.

  1. سيناريو التغيير في القيادة والعودة إلى البراغماتية

إذا شهدت إسرائيل تحولًا في بنيتها السياسية، بظهور قيادة أكثر إعتدالًا تؤمن بضرورة حل سياسي مع الفلسطينيين (مثل خيار الدولتين أو على الأقل خطوات عملية لتخفيف الحصار)، فقد تستعيد جزءًا من مكانتها الدولية.

هذا المسار يتطلب إعادة بناء الثقة مع الشتات اليهودي، والعودة إلى سياسات أكثر إنسجامًا مع الديمقراطية الليبرالية، لا سيما بعد أزمة القضاء الأخيرة.

نجاح هذا السيناريو مشروط بتغير داخلي عميق في المجتمع الإسرائيلي، وبقدرة النخب السياسية على تجاوز إرث نتنياهو وتحالفاته مع التيار القومي الديني المتطرف.

الخاتمة

تشير المعطيات إلى أن إسرائيل تشهد تآكلًا متعدد المستويات في شرعيتها ودعمها الخارجي:

•فقدان التعاطف الدولي بفعل الجرائم في غزة.

•تراجع الدعم الأمريكي من الحزبين، مع بروز معارضة يمينية ويسارية متزايدة.

•إنقسام اليهود في الشتات، وإنخفاض إرتباط الأجيال الشابة بمصير إسرائيل.

إن إستمرار هذه الإتجاهات قد يضع إسرائيل أمام عزلة دولية متصاعدة، ما لم يجرِ تغيير في بنيتها القيادية ورؤيتها الإستراتيجية. ومع بقاء نتنياهو والمتطرفين في السلطة، تبدو إمكانية “إعادة البناء” ضعيفة جدًا.

ومن الجدير بالذكر أن المقال الذي نُشر في الجيروزالم بوست كتبه صحفي يهودي وإستشاري ولوبيست مقيم في واشنطن، شغل سابقًا منصب مدير تشريعي في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) AIPAC. وهذه الخلفية مهمة لأنها تكشف أن التحذيرات الواردة في النص لا تأتي من تيارات معارضة تقليدية لإسرائيل، بل من قلب الدوائر الموالية لها تاريخيًا. وبالتالي، فإن إقراره بتراجع الدعم لإسرائيل على المستويين الدولي والأمريكي يعكس درجة خطورة الأزمة، ويؤكد أن الملاحظات المطروحة ليست مجرد دعاية معادية، بل تشخيص ذاتي صادر من داخل المؤسسة المؤيدة لإسرائيل نفسها.

إرسال التعليق