لا تحزن ولا تبتئس.. في هذه الدنيا الحقيرة!
—-
*
م. فوزي
–
ليس من الصواب ولا من الحكمة أ يعتقد الانسان بأنه ليده كل شيء و يعرف كل شيء وهو في غنًى تام عن غيره، حتى وإن كان هو لقمان الحكيم، حتى وإن كان لديه مال قارون. كما أنّه ليس من الحكمة ولا من الصّواب أن يحقر المرء آخاه بسبب فقره أوسنّه أو مستواه المتدنّي.
التجارب لا تقاس بالأعوام، كما نعلم ويعلم الجميع. والتجارب كلها مهمّة في الحياة، وليس هناك تجربة أهم وأفضل من تجربة. ”قد تجد في النهر ما لاتجده في البحر“. قد يقول القائل: ”ليس من رأى كمن سمع“، فنقول إن القدرات الذهنية؛ مثل الذاكرة والذكاء والمواهب التي فضّل الله بها بعضا على بعض… ليس مقرونة بلا بالعلم و لا بالمال ولا بالجاه، ولا بالمكانة الاجتماعية.
من الفقراء أقوياء بما حباهم الله من قوّة إيمان وثقة في النفس؛ غير مكترثين بما هم فيه من ظروف صعبة وقاسية لا يقدر عليها غيرهم؛ حين كنتُ في السجن تعرّفتُ على سبعيني اسمه (الرّبيع)؛ ”اسم على مسمّى“ وكان يحفظ القرآن فاتّخذته خليلا. يروي لي هذا العم جانبا من المعاناة التي عاشها هو وأسرته ”عام الشر“ خلال الحرب الكونية الثانية قال لي: إنّه حين لا يجد ما يأكله هو وأولاده، يقوم بإحضار النّاي ”الچصبة“ كما تُسمّى عندنا. ويطلب من زوجته أن ترقص، ومن أبنائه وبناته التصفيق.. ويستمر الحال على ما هو عليه إلى أن يستفحل العياء بالجميع، ويستفرد بهم النّعاس، فيغيّبهم عن الوعي تماما وجملة واحدة.
قد لا يحصل بعض الأشخاص المحرومين والمعدومين، على فرص مثل غيرهم في هذه الحياة. حظهم جدّ يسير في هذه الدنيا، مقارنة بالآخرين. لكن! هذا لم يشكّل عائقا أبدا أمامهم، ولا مانعا يحرمهم من شعورهم بالطمأنينة والسّعادة في هذه الحياة. ومن الناس من يمرّ بتجارب عديدة لكنّه لا يستفيد منها بشيء على الإطلاق، ومنهم من يأخذ الموعظة من تجارب الآخرين، من دون أن يعيشها. هؤلاء هم الأشخاص الذين نتحدّث عنهم، فقد حباهم الله بما يجعلهم مطمأنين سعداء؛ ميرة قد لا تجدها عند أحد، والأمثلة أكثر بكثير ممّا يحصى ويعد.
من هذه الزّاوية أوالباب فإنّه ليس من العدل ربما أن يُزدرى المرء أو يُحتقر بسبب سنّه، أو فقره، أو حالته الماديّة أوالنفسيّة والمعنوية، أو حتى بسبب مستواه التعليمي. ولنا في بعض القصص والمرويات ما يحثّنا على مراجعة أنفسنا وفي كثير من الأحكام و المفاهيم: كقصّة الفارس الفاشل الذي أخذ العبرة من نملة حاولت حمل قطعة خبز تفوق وزنها فلم تستطع، ولكنّها مع ذلك لم تيأس ولم تبتئس. وراحت تحاول وتحاول.. حتى نجحت أخيرا في الصعود وهي تحمل فتات قطعة الخبز.
الإنسان الكيّس، هو الذي يستخلص العبرة من تجارب الآخرين، بغض النّظر عن أعمارهم ومنظرهم، وحالتهم الماديّة والنفسية، ومستواهم التعليمي. ولا يستعلي ولا يستكبر. ومهما اِدّعى الإنسان العلم والمعرفة.. والذّكاء.. والجاه.. والمال والمكانة الاجتماعيّة… فهناك حتما من هو أقوى وأذكى منه. هذا من عدل الله سبحانه وتعالى؛ فهو يقسّم الأرزاق والمواهب والنّعم بصفة عادلة.
كم من متعلّم نجح في الامتحانات وحصل على شهادات، لكنّه مع ذلك، فشل في إدارة أسرته. وكم من مرفّه لديه من الأموال والإمكانيات ما لا يمكن عدّه و احصاؤه، لكنه مع ذلك كلّه، فشل في توفير الطمأنينة والسعادة له ولأفراد أسرته؛ زوجته وأبناؤه.
قد يحسد بعض من الفقراء الأغنياء على ما هم فيه من بذخ؛ بعض من الأغنياء يملكون يخوت وجزر بما فيها من خدّام وجوارٍ وحشم. لو توغّلنا قليلا في حياة هؤلاء، لوقفنا على حجم المعاناة التي هم فيها؛ مثالنا على ذلك رجل الأعمال الأمريكي:(جيفري ابستين). ومع ذلك يُقال إنّه انتحر وهو في السجن، انظر إلى تلك النهاية المخزية.
لذلك، اعتقد أن الانسان العاقل هو من يبحث عن أسهل طريق يوصله إلى السّعادة من دون تكاليف. وليس المال وحده، ولا الشهادة الأكاديمية، ولا الجاه ولا المكانة الاجتماعية هم بالضّرورة من يوصلان المرء إلى تحقيق ذلك. فالسعادة بمفهومها الفيزيولوجي البحت، مجرّد هرمون مجهري بسيط، قد لا تراه بالعين المجرّدة، ولكن مفعوله سحريّ وخطير على الذّات البشرية.
إذا حزب المرء أمر ما لسبب من الأسباب، فلينظر إلى من هو دونه. رأيتُ في (عرفة) بالبقاع المقدّسة، متسوّلين، أشباه بشر وليسوا مثل بقية الآدميين؛ أجساد كأنّهم قطع لحم متجاورات؛ بلا أيدٍ ولا أرجل. وآخرين أكفّاء يتضرّعون إلى الله من شدّة الفاقة والبؤس الذي هم فيه، فأنسوني الشعث وما أنا فيه.
إذا الغاية من المعارك التي يخوضها الإنسان في هذه الحياة، هو أن يعيش سعيدا مطمئن البال، وهو لا يدرك أن المتسبّب في هذا الشعور بالسّعادة مجرّد ”هرمون“ مجهري صغير، قد لا يرى بالعين. قد يجده في كلمة بسيطة تدخل السّرور على قلبه، و تذهب غيظه، وتنسيه المشاكل والهموم والآلام والأحزان التي يعاني منها. وهذا ما توصّل إليه شخص مثل (ستيف جونز) وهو في فراش الموت، وهو الذي قال وبعظمة لسانه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة:
”إن عدم توقفنا عن السّعي خلف المزيد من الأموال، سيجعلنا في النهاية ننتهي إلى أن كومة مُكوَّمة، كحالي بالضبط الآن. ويروى عنه أنّه قال:
في الظُلمة أنظر إلى الضوء الأخضر الصادر عن جهاز التنفس الصناعي، وأسمع الصوت الميكانيكي للجهاز، وأشم رائحة ملك الموت. توقف يا رجل، توقف! ماذا تُريد من الحياة؟ تلهث ولا تتوقَّف، لكي تُجمِّع المزيد المزيد، ستنتهي مُحطَّماً“



إرسال التعليق