النّفــاق: أشكاله وألوانه.
النّفــاق: أشكاله وألوانه.
—-
*
م. فوزي
*
النفاق مرض نفساني مثل الغيرة والبغض والحسد، وهو كذلك آفة خطيرة تضرّ بالمجتمع. والنّفاق أشكال وألوان. وفي الشريعة: النفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان . وأمّا في اللغة والبيان: فهو مأخوذ من كلمة (النَّافِقَاءُ): وهي إِحدى جِحَرَة اليَرْبوع يكتُمُها ويُظْهِرُ غيرها وهو أَصل النِّفاق.
والنّفاق في الدين أو الشرع نوعان:
- نفاق مخرج من الملّة: وهو كما سبق ذكره ”إبطان الكفر وإظهار الإيمان“.
- ونفاق من النوع الأصغر: وهو ما تعلق بالعمل والجوارح ويسمّى ”النّفاق العملي“. وهو الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-:
(أربع من كُنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر).
و بداية النفاق الكذب، ثم تليه الغدر والخيانة، فالإخلال بالوعود، فالغفلة عن العبادات خوفا وتجنّبا لإحراج العباد.
كذلك يوجد هناك أنواع أخرى من النّفاق قد لا تبدو كذلك لدى بعض النّاس، بينما هي نفاق بعينه. نذكر منها أو من بينها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
1) النّفاق السيّاسي:
وهو تملّق الحكام الظلمة وأصحاب النفوذ الفاسدين، ومداهنتهم والتطبيل لهم. وهو منتشر بكثرة في هذه الأيّام خاصّة في وسائط التواصل الإجتماعي.
2) النفاق الاجتماعي:
ويتجسّد في إظهار الفرد أو المجموعة لمعايير أو قيم أخلاقية معيّنة بينما يكون التصرّف بشكل مغاير و مخالف لتلك المعايير. ويمكن اعتباره شكلا من أشكال الريّاء؛ حيث يعكس الشخص ما هو مقبول اجتماعياً بدلاً من ما يعتقد وما هو مقتنع به.
ويمكن حصر أسباب هذا النّوع من النفاق الاجتماعي في الآتي:
الخوف من فقدان المكانة الاجتماعيّة:
فقد يتظاهر بعض الأفراد بموافقتهم على آراء مجموعة ما، أو فرد من الأفراد، لتجنب الإقصاء.
البحث عن فوائد مادية أو معنوية:
فيستخدم المنافق كل الأساليب والحيل لتحقيق مكسب من المكاسب والمآرب الشّخصية.
الرغبة في الظهور بمظهر من المظاهر مثل التمظهر بالتقوى والورع، أو المزايدة على الوطنيّة ”الشوفينيّة“ : لكسب احترام الآخرين.
الخوف من مواجهة الحقائق:
بعض الأشخاص يلجؤون إلى استعمال النّفاق والكذب لتجنّب المشاكل.
والنفاق كسلوك مرضي و كآفة من الآفات الخطيرة على الأفراد والمجتمعات، هو نتاج لثقافة و بيئة اجتماعية تشجّع على الحرص والمظاهر بدلاً من الصدق والشفافية.
3) وهناك أيضا شيء اسمه ”النّفاق الثقافي“:
ويتمثّل في ”الازدواجية“ « Deux poids, deux mesures » في التعامل مع المواقف، ورفض الرّأي الآخر إذا كان مخالفا. مع التظاهر بالانفتاح والتسامح.
ويمكن توضيح هذا المفهوم من خلال النقاط التالية:
قد يظهر الأفراد أو المجتمعات بمظهر متقبل للثقافات الأخرى، من خلال احتفالات، أو فعاليات، أو حتى مجرد كلمات معسولة، ولكن هذا القبول قد يكون مجرد قناع يخفي وراءه تحيزًا أو كراهية.
الازدواجية في المعايير:
حيث يتم التغاضي عن عيوب ثقافة معينة بينما يتم التركيز على عيوب ثقافة أخرى سيما إذا كانت مغايرة أو معادية.
المصالح الشخصية:
قد يكون النفاق الثقافي مدفوعًا بمصالح شخصية أو سياسية، حيث يتم التلاعب بالثقافات لتحقيق أهداف معينة.
الجهل والسطحية:
قد يكون النفاق الثقافي ناتجًا عن الجهل بالثقافات الأخرى أو السطحية في فهمها.
أمثلة على النّفاق الثقافي:
التماهي مع ثقافة الغير(التغريب):
يتم تصوير الثقافة الشرقية بطريقة سلبية، بينما يتم الترويج للثّقافة الغربية.
الاستهلاك الثقافي:
استهلاك منتج ثقافي من ثقافات الغير، مع تجاهل أو التقليل من قيمة الثقافة المحلية.
الاستعراض الثقافي:
حيث يتم استعراض بعض جوانب الثقافات الأخرى في المناسبات الخاصة، مع عدم الاهتمام الحقيقي بفهمها أو تقديرها.
أسباب النفاق الثقافي:
الخوف من التغيير:
قد يكون الخوف من التغيير أو فقدان الهوية الثقافية دافعًا للنفاق الثقافي.
التعصّب:
حيث يتم تفضيل ثقافة معينة على غيرها والتقليل من قيمة الثقافات الأخرى.
الجهل:
حيث يكون النفاق الثقافي ناتجًا عن عدم فهم حقيقي للثقافات الأخرى.
الاستعلاء:
حيث يتم اعتبار ثقافة معينة متفوقة على غيرها.
نتائج النفاق الثقافي على الأفراد والمجتمعات:
تدهور العلاقات بين الثقافات:
يؤدي النفاق الثقافي إلى زيادة التوتر والعداء بين المجتمعات.
تشويه صورة الثقافات:
يتم تقديم صور نمطية ومختزلة عن الثقافات المختلفة.
فقدان الهوية الثقافية:
يؤدي النفاق الثقافي إلى تهميش الثقافات الأصلية والتقليل من شأنها.
وفي المقابل فإنّ مواجهة النفاق الثقافي تتم عبر القنوات التالية -كما يرى بعض المهتمّين-:
التوعية:
وذلك من خلال نشر الوعي حول أهمية التنوع الثقافي وضرورة احترام الثقافات المختلفة.
التعليم:
من خلال تعليم الأجيال أهمية التفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى.
الحوار:
تشجيع الحوار بين الثقافات المختلفة وتبادل الخبرات والأفكار.
التقييم الذاتي:
من خلال النظر في سلوكياتنا ومواقفنا تجاه الثقافات الأخرى ومحاولة التخلص من أيٍّ من مظاهر النّفاق الثقافي؛ أخطرها على الإطلاق: نفاق المثقّفين؛ كما قال أحد الكتّاب في مقال نشره بأحد المواقع. يقول صاحب المقال: ”هو – في الغالب – الخوف من السلطة الحاكمة، فيما الغاية تكون تأمين حياة أو مصدر رزق واسعاد حال، أو سلطة او تماهي بالسلطة. ويبدو أن بداية تحول نفاق المثقفين في المجتمعات العربية من حالات محدودة الى ظاهرة اجتماعية، كانت بسبب تحول الدين الإسلامي الى وسيلة في يد السلطة وتماهي الأئمّة معها، مع أن الدين بريء من كل أشكال قال تعالى: [إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا]“.
من المثقفين من يتردّد على أبواب الحكّام طمعا في جاه ومال، أو دفعا لشرّ محتمل. وأخطر هؤلاء على الإطلاق: رجال الإعلام ”الأبواق“. ومنهم أئمّة ووعّاظ؛ أصحاب المنابر.
يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا. الأحزاب الآية: (48)
وأختم بهذا الحديث الشريف:
((- إنَّ شَرَّ النَّاسِ، ذُو الوَجْهَيْنِ الذي يَأْتي هَؤُلاءِ بوَجْهٍ، وهَؤُلاءِ بوَجْهٍ.))



إرسال التعليق