المشهد المعقّد في الشرق الأوسط!

فيصل يعقوب

المشهد المعقّد في الشرق الأوسط: بين خرائط الدولة العميقة وصراع المصالح العابرة للحدود

منذ مطلع القرن العشرين، والشرق الأوسط يُعاد تشكيله مرارًا، عبر موجات من الخرائط المصطنعة، والتحالفات الظرفية، والتدخلات الخارجية التي تتغذى على هشاشة الداخل وتناقضات الإقليم. إلا أن تعقيد المشهد اليوم بلغ ذروة جديدة، في ظل التداخل الحاد بين أدوات “الدولة العميقة” الغربية ( إن جاز التعبير ) وبين الإدارات السياسية الظاهرة، وخاصة في الولايات المتحدة.

ما يُعرف بـ”الدولة العميقة” لا يحيل فقط إلى أجهزة بيروقراطية أمنية ومؤسسات نافذة داخل الأنظمة الغربية، بل إلى شبكة مصالح استراتيجية طويلة الأمد، تعمل خلف الواجهات الديمقراطية، وتعيد توجيه السياسات حسب ما يخدم الرؤية الغربية للعالم، لاسيما في ما يتعلق بإعادة إنتاج أنظمة سياسية “صديقة”، أو تفكيك كيانات تُعدّ مهددة لمنظومة الهيمنة الغربية. وفي هذا السياق، يتم توظيف مفاهيم مثل “محاربة الإرهاب”، أو “دعم الديمقراطية”، لا كغايات في ذاتها، بل كوسائل لتبرير إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية.

في المقابل، شهدنا مع إدارة دونالد ترامب، تحوّلاً تكتيكيًا في السياسة الأمريكية، تمثّل في أولوية المصلحة القومية المجردة على القيم المؤسسية أو الشعارات الأيديولوجية. شعار “أمريكا أولاً” لم يكن مجرد خطاب شعبوي، بل عبّر عن ميلٍ إلى تصفية الالتزامات الخارجية المكلفة، والبحث عن صفقات مربحة بغض النظر عن الحلفاء التقليديين أو المعايير الأخلاقية. ومع ذلك، لم تستطع هذه الإدارة الانفكاك التام عن البُنى العميقة للقرار، بل كثيرًا ما انساقت، صراحةً أو ضمنًا ، إلى تنفيذ أجندات لا تنتمي بالكامل إلى خطابها السياسي، ما يشي بوجود ثقل مؤسساتي يصعب تجاوزه.

الملف الكردي، في هذا السياق، يُمثّل نموذجًا مكثفًا للصراع بين مشاريع الهيمنة وإرادة الشعوب. فالكرد، الذين قُسمت أراضيهم بين أربع دول بفعل اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ظلوا موضوعًا مُسكَتًا عنه في كثير من المحافل، رغم تضحياتهم ودورهم في مواجهة الإرهاب. ومع ذلك، يتم غالبًا توظيف قضيتهم كورقة ضغط بين اللاعبين الكبار، دون الاعتراف بحقهم في تقرير المصير، ما يكشف زيف الشعارات حول “الديمقراطية” و”العدالة الدولية”.

وفي الخلفية، نرى ملفات مترابطة: استهداف إيران وحلفائها، استخدام العقوبات كسلاح استنزاف، دعم متزايد لأوكرانيا في وجه روسيا، ثم تحولات مفاجئة كتخفيف القيود على النظام السوري بعد سنوات من العزلة، ما يعكس براغماتية باردة تُغلفها أحيانًا خطابات إنسانية أو قانونية.

إن الشرق الأوسط، اليوم، لا يُدار فقط من عواصمه، بل من توازنات دولية معقّدة، تُصاغ في مراكز أبحاث، ومصالح شركات، وغرف استخبارات، حيث تُرسم السياسات ليس بالضرورة وفقًا لمصلحة الشعوب، بل وفقًا لمنظومة المصالح العابرة للحدود، التي تُعيد إنتاج الأزمات تحت مسميات جديدة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك