الأنتحار بين الجريمة والظاهرة والمرض

رحيم حمادي غضبان

الانتحار من القضايا الشائكة التي تتقاطع فيها الجوانب القانونية والاجتماعية والنفسية. فهو من جهة يُعد جريمة في بعض القوانين، ومن جهة أخرى يُنظر إليه كمشكلة اجتماعية، بينما تتجه نظرة أكثر إنسانية وواقعية نحو اعتباره حالة مرضية تستدعي العلاج لا العقاب.

أولًا: الانتحار كجريمة في نظر القانون

من الناحية القانونية، فإن أغلب القوانين الوضعية لا تُعاقب على الانتحار بذاته، إذ لا يمكن ملاحقة من فقد حياته، بل توجّه العقوبة لمحاولة الانتحار، باعتبارها “شروعًا” في ارتكاب الجريمة. وهنا يتوفر القصد الجرمي، أي النية الواضحة للفعل، ويكون الفاعل والمجني عليه شخصًا واحدًا، مما يجعل الجريمة غير مكتملة الأركان.

فعلى سبيل المثال، القانون المصري يعاقب على الشروع في الانتحار بموجب المادة (244) من قانون العقوبات إذا أدى إلى اضطراب عام أو ضرر للغير، بينما القانون اللبناني لا يجرّم محاولة الانتحار صراحة لكنه يلاحق المحرّض أو المساعد على الانتحار بموجب المادة (552) من قانون العقوبات. أما في السعودية، فتُعد محاولة الانتحار مخالفة شرعية ويُعاقب عليها بعقوبات تأديبية.

من جهة أخرى، أغلب القوانين الغربية، مثل القانون الفرنسي، لا تجرّم محاولة الانتحار، بل تعالجها عبر تدخلات طبية ونفسية، وهو ما يعكس تطورًا في فهم أعمق لأسباب السلوك الانتحاري.

ثانيًا: الانتحار كظاهرة اجتماعية

عند النظر إلى الانتحار كظاهرة، نلاحظ أنه يُعزى إلى أسباب اقتصادية أو مجتمعية مثل الفقر أو البطالة أو التفكك الأسري. غير أن هذا التفسير قاصر، لأنه لو كان الفقر وحده كافيًا لدفع الناس نحو الانتحار، لكانت شعوب بأكملها في دول تعاني من مجاعات قد انقرضت. ما يؤكد أن العامل الاقتصادي ليس إلا عنصرًا واحدًا من منظومة معقدة.

التعامل مع الانتحار كظاهرة يُفضي إلى ضرورة البحث في جذوره العميقة، كالعنف الأسري، التنمّر، ضعف الدعم النفسي، أو صدمة فقدان. وهنا تلعب المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية دورًا كبيرًا في رفع الوعي والتخفيف من وصمة طلب المساعدة النفسية.

ثالثًا: الانتحار كمرض نفسي – القراءة الأكثر واقعية

الاتجاه الثالث، وهو اعتبار الانتحار نتيجة اضطراب نفسي أو عقلي، يلقى قبولًا متزايدًا في الأوساط الطبية والحقوقية. فالشخص الذي يُقدم على إيذاء نفسه غالبًا ما يعاني من اكتئاب حاد، اضطراب ثنائي القطب، فصام، أو اضطرابات شخصية، تجعله غير قادر على تقييم الواقع بشكل منطقي.

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 90% من المنتحرين يعانون من اضطرابات نفسية يمكن علاجها، ما يعزز دعوة المعنيين إلى إحلال التدخل العلاجي محل العقوبة. ففي كندا والسويد، يتم التعامل مع محاولات الانتحار من خلال برامج علاج نفسي واجتماعي بدل المحاكم والسجون.

موقف القانون الدولي وحقوق الإنسان

تنظر المواثيق الدولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى الحق في الصحة النفسية كجزء لا يتجزأ من الكرامة الإنسانية. وعليه، فإن تجريم الانتحار يتعارض مع هذه المبادئ، خاصة إذا لم يُرافق ذلك دعم نفسي واجتماعي حقيقي.

خلاصة

الانتحار ليس فعلاً إجراميًا بقدر ما هو نداء استغاثة أخير من إنسان يعاني في صمت. وعلى ضوء ذلك، يصبح من الضروري تعديل النظرة المجتمعية والقانونية تجاهه، عبر:

إلغاء تجريم محاولة الانتحار وتوجيه الجهود نحو العلاج.

تعزيز خدمات الصحة النفسية وتوفيرها للجميع دون وصمة.

إرسال التعليق