الاقتصاد الرقمي في العالم العربي: الواقع، التحديات، والآفاق المستقبلية

الاقتصاد الرقمي في العالم العربي: الواقع، التحديات، والآفاق المستقبلية

حمدي سيد محمد محمود

يشكّل الاقتصاد الرقمي اليوم أحد أعمدة القوة في النظام العالمي الجديد، حيث تتحول الدول من نماذج الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. ومع تجاوز حجم الاقتصاد الرقمي العالمي حاجز 1.1 تريليون دولار، تبرز فجوة متسعة بين الدول التي تقود هذه التحولات، وتلك التي ما تزال تصارع تحديات البنية التحتية، والتعليم، والحوكمة الرقمية. ويقف العالم العربي في مفترق طرق حاسم بين التخلّف عن ركب هذه الثورة أو اللحاق بها قبل فوات الأوان.

تشخيص الواقع الرقمي العربي: مكامن الضعف الهيكلي

رغم أن المنطقة العربية تضم أكثر من 450 مليون نسمة، فإن الأرقام تكشف عن تأخر حاد في مؤشرات الاقتصاد الرقمي. فبحسب التقارير، لا يزال 30% من العرب خارج نطاق الخدمات الرقمية الأساسية، في وقت لا يتجاوز فيه الناتج المحلي الرقمي العربي 4% من الناتج الإجمالي، مقارنة بنسبة تفوق 20% في الاقتصادات المتقدمة.

هذا التأخر لا يعود فقط إلى ضعف البنية التحتية الرقمية، بل إلى أزمة مركبة تتضمن:

معدلات بطالة مرتفعة، لا سيما بين الشباب، ما يحول دون تشكيل قاعدة بشرية منتجة في الاقتصاد الرقمي.

نظام تعليمي تقليدي لا يواكب الثورة الصناعية الرابعة، ويُعاني من فجوة واسعة في المهارات الرقمية.

ضعف الاستثمارات في البحث والتطوير (R&D)، وانخفاض نسبة المخصصات الحكومية للمجالات التكنولوجية.

بيروقراطية وتشريعات مقيدة تحدّ من مرونة التحول الرقمي وتعيق الابتكار.

افتقار إلى الثقة الرقمية والأمن السيبراني، مما يقلل من اندماج الأفراد والمؤسسات في البيئة الرقمية.

النموذج الإماراتي: من الرؤية إلى الإنجاز

وسط هذا الواقع، برزت الإمارات العربية المتحدة كنموذج مُلهِم في ميدان التحول الرقمي، حيث اعتمدت رؤية استراتيجية متكاملة قادها صانعو قرار آمنوا بأن الاقتصاد الرقمي هو بوابة المستقبل.

في 2017، كانت الإمارات أول دولة في العالم تُعيّن وزيراً للذكاء الاصطناعي، في خطوة رمزية وتحولية تعكس توجهًا وطنيًا بعيد المدى.

أنشأت منظومة الهوية الرقمية المتقدمة، التي تُعدّ من الأكثر تطورًا عالميًا، مما سمح بتكامل الخدمات الإلكترونية والحوكمة الذكية.

تشير التوقعات إلى أن الاقتصاد الرقمي الإماراتي سيبلغ 96 مليار دولار بحلول عام 2030، مدفوعًا بالابتكار والتكنولوجيا وتكامل القطاعات.

هذه التجربة تبرهن على أن الإرادة السياسية، والرؤية الاستراتيجية، والانفتاح على التكنولوجيا، يمكن أن تنقل الدول من هوامش العالم الرقمي إلى مركزه في غضون عقد واحد فقط.

آفاق الاقتصاد الرقمي العربي: ما الذي يجب فعله؟

لكي يتمكن العالم العربي من اللحاق بركب الاقتصاد الرقمي العالمي، فإن الأمر يتطلب ثورة حقيقية على كافة المستويات، وليس مجرد مشاريع شكلية أو حملات علاقات عامة. وتشمل هذه الثورة المحاور التالية:

  1. إصلاح جذري للنظام التعليمي:
    تحديث المناهج، إدماج البرمجة والمهارات الرقمية من المرحلة الابتدائية، وتعزيز الربط بين التعليم وسوق العمل الرقمي.
  2. إطلاق بنية تحتية رقمية موحدة عربية:
    تستثمر الدول في شبكة إقليمية للاتصال والتخزين السحابي والبيانات المفتوحة، بما يعزز السيادة الرقمية المشتركة.
  3. تشجيع ريادة الأعمال الرقمية:
    توفير حاضنات أعمال ومسرّعات تقنية، وتمويل مبتكرات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والاقتصاد التشاركي.
  4. تطوير تشريعات مرنة ومحفّزة:
    قوانين تحمي الملكية الفكرية الرقمية، وتُشجع على الابتكار، وتؤسس لإطار قانوني منفتح على عالم الميتافيرس والعملات المشفرة.
  5. تعزيز الأمن السيبراني وبناء الثقة الرقمية:
    تأسيس مراكز وطنية للأمن السيبراني، ووضع سياسات لحماية بيانات المواطنين والشركات وفق المعايير الدولية.
  6. بناء سوق رقمية عربية مشتركة:
    تسهيل انتقال الخدمات والبيانات ورؤوس الأموال الرقمية بين الدول العربية، على غرار التجربة الأوروبية.

الفرصة الأخيرة للنهضة الرقمية العربية

الاقتصاد الرقمي ليس خيارًا تكنولوجيًا بل مسألة بقاء سيادي وحضاري. إما أن تدخل الدول العربية في دورة التحول وتنافس في مجال الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والاقتصاد القائم على المعرفة، أو تظل عالقة في هامش النظام العالمي، تدفع أثمانًا اقتصادية وسياسية باهظة.
إن اللحاق بالركب الرقمي يتطلب تحولًا ثقافيًا عميقًا، وإرادة سياسية شجاعة، ومشاركة مجتمعية واسعة، لأن المستقبل لا ينتظر المترددين.

إرسال التعليق