ما الذي بقي يعجب في هذه الدنيا؟

رشيد مصباح (فوزي)

الجــزائر

*
ما الذي بقي يعجب في هذه الدنيا، إذا كان الفراق هو مآلها؟

الأعمار تجري بنا، ونحن في غفلة من أمرنا.
التفتُّ حولي فلم أجد أمّي ولا أبي، أين جدّي وعمّي و جاري الذي كنتُ اسمع قرع نعليه حين يمرّ في الطريق. رحلوا جميعا وتركونا وشأننا؛ وإذا كانت النهاية أم البدايات، فهل من طعم أو معنى لهذه الحياة؟
في كل يوم هناك خبر يهزّ كياننا: الموت ومن بعده الفراق.
شغلتنا أنفسنا والدنيا بتجارتها ولهوها وعبثها ونسينا، والموت الذي لا يرحم ولا ينسى، يتربّص بنا.
شغلتنا أموالنا وأهلونا، و أكفاننا في السّماء تنسج، وعلى المقاس تُخاط، والفؤوس التي لا تهدأ ولا تهمد تتوعّدنا، وفي كل يوم نودّع فيه عزيزا، و قريبا، وصديقا.. ثم نعود إلى اللّهو والتّجارة من جديد. فما الذي يعجب في هذه الدنيا، إذا كان الفراق هو المآل؟
البارحة فحسب، تفاجأنا بخبر رحيل صديق عزيز آخر، ويبدو أن القائمة طويلة لم تكتمل. رحل الأستاذ المتواضع في سكون، تاركا وراءه الصمت والهدوء يخيّمان على المكان الذي ألفه ونشأ وترعرع فيه.
رحل الخلوق الذي لا تكاد تسمع صوته إذا تكلّم.
رحل المثقّف الذي لا ينبس ببنت شفة حتى يفكر مليّا قبل أن يتكلّم.
رحل الخبير الذي لا يبخل بالنّصيحة إذا استشرته، وكأنّه أخ كبير.
فماذا تبقى بعد رحيل هؤلاء الأحبّة كلّهم؟
شعور بالغربة لا يكاد يفارقنا، ونحن في هذه الدنيا الفانية كالأموات.
نستأنس بالذكريات وصارت ملاذنا لتمضية الأوقات، والذكريات ليست بكافية.
هجرنا الدنيا وطوينا صفحتي الأنام و المستقبل، ولم يعد هناك ما نطمح إليه، سوى ما تبقّى لنا رمق قبل الرّحيل لملاقات الأحبّة.
ويا نفسُ؛ ”لا تدري ماذا تكسب غدا“ ولا”بأيّ أرض تموت“، ماذا أعددت لهذا الرّحيل وما بعد الممات؟

إرسال التعليق