ضائعٌ بين أقرانه الجــــزء الثّالث (6)
رشيد مصباح (فوزي)
الجــــــــــزائر
*
في مستشفى سدراتة، كان والدي يزورني رفقة بعض زملائه بالزّيّ الرّسمي. وترك ذلك أنطباعا جيّدا، سواء بالنسبة لي أنا حيث أن ذلك كان يشجّعني ويزيدني فخرا، أو بالنسبة لعمال المستشفى الذين كانوا يعاملونه معاملة خاصّة. وكان والدي أنيقا جدّا، ولم تمنعه أناقته تلك من التّواضع الذي زاده جمالا على جماله الخلْلقي والخُلقي. وكانت الابتسامة لا تفارق شفتيه، وأكسبه ذلك سمعة طيّبة لدى أبناء سدراتة الطيّبين، فكانوا لا يخفون حبّهم له، والذي حظي به وفي وقت قصير بعد تحويله من مدينة (عنابة) التي قضى فيها أربعة عشر عاما، وذلك بطلب منه.
بعدما تم تعويضي بكمية الدم اللّـازمة، ومع الرّعاية الخاصّة التي حظيتُ بها من طرف الممرّضين والممرّضات، ومع الوجبات السّاخنة التي حرص أبي على تزويدي بها في الوقت المناسب.. بدأتُ أشعر بالتّحسّن شيئا فشيئا. وبعد مرور شهر تقريبا، تقرّر تحويلي إلى مصحّة ”السيناتور يوم“: [Sanatorium] بسوق أهراس المتخصّصة بهذا النوع من الأمراض، وذلك لاستكمال ما تبقّى من العلاج.
لا أخفي عليكم شعوري بالارتياح خلال المدّة التي قضيتها في مستشفى (سدراتة)؛ المحدود من ناحيّة الامكانيّات الماديّة والبشرية، المحظوظ بطاقمه المتميّز من العمال والموظّفين والممرّضين والممرّضات، من أبناء الأصول الذين قضيتُ معهم أجمل الأوقات. ليحين الرّحيل بعد اتّخاذ كل الإجراءات والتدابير اللاّزمة. رافقتني الممرّضة بعدها إلى حيث وجدنا سيارة الإسعاف في انتظارنا. ركبثُ رفقتها خلف السّائق، وماهي إلّـا دقائق معدودات، انطلقنا بعدها باتّجاه مدينة (سوق أهراس). وبعد عدد من الأميال أو الكيلومترات، انحرفت بنا السيّارة قليلا عن الطريق الرئيسي المؤدّي للمدينة، وسلكنا طريقا فرعيّا انتهى بنا داخل المصحّة.
أمام المدخل الرئيسي، توجّهت بي الممرّضة إلى الإدارة، وبعد تبادل للمعلومات بينها وبين بعض الموظّفين، رافقتني إلى صالة الأمراض الصدرية حيث وجدتُ السرير في انتظاري، وطاولة حجرة النوم بجانبه:
[Table de nuit]، وتخلّصتُ من بعض اللّوزازم والأغراض؛ من التي أحضرتها معي من مستشفى سدراتة. وبقيتِ الممرّضة واقفة؛ وكأنّي بها لم تقدر على فراقي. ونظرتُ إليها اطمئنها، وأخبرتها خلال الكلام الذي دار بيننا بإنّني أعرف المكان جيّدا ولم يغب من ذاكرتي المرهقة. وقد سبق لي ورقدتُ بالمصحّة قبل أعوام، مستحضرا لها بعض الذّكريات الجميلة التي بقيت عالقة بذهني عن الأيام التي قضيتها فيها وأنا طفل لم أتجاوز ستّة أعوام.كيف مرّت الأعوام ولم أشعر بها، ولا حتى بالألم الذي رافقني خلالها.
ما أجمل الطفولة وعذوبتها!
وأجمل الشباب لولا جنونه ”كجنون البقر“ الذي يصيب الإنسان أحيانا في مقتل.



إرسال التعليق