ضائعٌ بين أقرانه – الجــــزء الثّالث (5)
–
رشيد مصباح (فوزي)
الجــــزائر
*
بعض الأمراض العضويّة في الذّهنيّة البائدة تعتبر من التّابوهات. خاصّة إذا كانت خطيرة أو معدية. وأما الأمراض المعنوية والنفسية فشيء آخر. ولا يزال موضوع الأمراض النفسية يتأرجح بين العلاج السّريري والعلاج الوهمي، ولم تهتدي البشرية بعد إلى علاج حقيقي ناجع. ولا تزال التأويلات الرّوحية والخرافية هي السّائدة والسيطرة في المجتمعات التي تعاني من الجهل والتخلّف. وفي غياب الوعي والتكفّل تستمرّ المعاناة، والصّمت القاتل، في غياب الوعي والتكفّل الاجتماعي.
ما ذنب إنسان إذا فتح عينيه ووجد نفسه في مجتمع يعاني من الأوهام والجهل والتخلّف؟
مجتمع يدين بالإسلام، لكنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا.
مجتمع يتعاطى الشعوذة والسحر.. ويزني ويفسق.. ويلعب القمار.. و يشرب الخمر ويدخّن أنواع السجائر.
مجتمع يشجّع على التناكح والتناسل، ولا يرعى ولا يبالي بالنّسل؟
ولقد وجدتُ ضالّتي في العبث وتدخين أنواع السجائر التي كنتُ أشربها شربا، وأدخّنها بنهم و شراهة كبيرة.. وربما كان ذلك هو السبب في مرض ”السّل“ الذي ألمّ بي وكاد يأخذني معه إلى القبر، لولا عناية الله وعطفه؛ وفي إحدى اللّيالي الطّويلة عبث فيها الحشيش برؤوسنا الرّعناء، واستيقظتُ على سعال حاد ومتواصل، تلفّظتُ فيه بمخاط ودماء تناثرت من حولي بصورة مرعبة، واستمرّ الحال هكذا حتّى الصّباح.
غادرتُ بعدها الغرفة، وتوجّتُ مسرعا أنشد محطّة النّقل التي لاتبعد كثيرا عن مقر الإقامة، والخوف والرّعب يسيطران على عقلي وأطرافي وكامل بدني؛ من جرّاء الدّماء التي تلفّظتها؛ وبقي أثرها على حائط المحطّة فترة طويلة. ولم أفق إلّـا وأنا في البيت، والوالدة الحنونة بجنبي؛ مشدوهة مذهولة من كثرة الدماء المتفاقمة التي يتلفّظها فمي.. وانتفضت المسكينة إلى الخارج تطلب النجدة.
لم أفق إلّـا وأنا في المستشفى، مستلقٍ على السّرير والوالد الحائر حيران واقف بجنب السرير يحاول تصنّع بسمة ”خجولة،“ والممرّضات من حولي، يتهامسْن ويتغامزْن. الكل يراقب وينتظر.. ونظرات تخفي من ورائها كثيرا من العطف والإشفاق… لا تكاد تبرحني.



إرسال التعليق