رحيل صاحب القلب النابض للتربية والتعليم المعلم بن بادة الحاج سالم. بعد أربعة عقود من العطاء ألا منقطع.

مقدمة:

وقم للمعلم و فيه بالتبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا.

وتحل ذكرى يوم عيد العلم 16 أفريل من كل سنة وهاته المرة في غياب قامة من قامات التربية والتعليم.فلا يسعنا إلا تذكره والتذكير به وبخالصه للترحم عليه.

نادك الحق فأسـتجبت له مرحبا, كما كنت للحقِ ملبيا عند كـل نِـداء.

خلفت بعد رحليك من الدنيا بيانا خالدا, وتركت أَجيالا من التلاميذ أوفياء.

فنم قرير العين مرتاح البال, اليوم وغـدا فسيذكرك الزمان بحسـن جـزاء.

شاء القدر بمشيئة الرحمن أن يفارقنا أستاذنا القدوة الحاج سالم بن بادة. راحلا من هاته الدنيا الفانية، بعد فترة أربعة عقود طويلة من العطاء ألا محدود، تاركا وراءه سيرة عطرة بميراث ثري لا يقدر بثمن، وذكرى طيبة يعبق أريجها مدى الزمان، وروحا نقية ترفرف في كل ركن بيت وقسم وعلى كل طاولة ومن كل كتاب وكراس، وإرثا متعددا من التربية والتعليم والخلق الحسن والنبل الرفيع .

إن العطاء في الحياة سر من أسرار الخلود، سر عرفناه في معلمنا رحمه الله وهو نمطا لحياته، فمهما حاول الموت أن يبعده عنا ، فهو لن يمحو ذكر من أعطى كل هذا العطاء.

معلمنا الفاضل, يعز علينا فراقك، في وقت نحتاج فيه إلى أمثالك من الرجال الأوفياء المخلصين الصادقين. ومهما كتبنا من كلمات رثاء، وسطرنا من حروف حزينة باكية، لن نوفيك حقك لما قدمته من عطاء ووقت وجهد وتفانٍ في سبيل تطور التربية والتعليم .

معلمنا المخلص لقد كنت واحداً من بين المئات الذين علموا الطلاب الذين تتلمذوا على يديك في مختلف مدراس متليلي الشعانبة التابعة لولابات الجنوب الشرقي ورقلة ’ الأغواط و غرداية حاليا، فتعلموا منك الحزم والجد في طلب العلم, وأستفادوا من ملاحظاتك القيمة.

عرفت معلمًا هادئاً، متواضعاً، قنوعاً، ملتزماً بأنسانيتك وواجباتك. حملت الأمانة بأخلاص، وأعطيت للتلاميذ والوطن جهدك وخبرتك وتجربتك وحبك للجميع.

تمتعت بخصال عديدة ومزايا حميدة، كحسن الخلق وطيبة العشرة وسماحة القلب، والتفاني في نشر العلم، وكل ذلك زادك إحتراماً وتقديراً ومحبة في قلوب زملائك وتلاميذك وكل من عرفك وألتقى بك .

كنت بحق تعد نعم أنموذج رسول العلم والمعرفة، وقامة من قامات العطاء والتضحية. لقد كنت قدوة حازماً في الأمور التي تطلب الحزم. مثلا يحتذى به.

لقد غيبك الموت، جسدا، لكنك ستبقى في قلوب الجميع ما بقوا على قيد الحياة. ولن ينسوك، وستظل بأعمالك وبصماتك ومآثرك وسيرتك نبراسا. فقد أديت الأمانة وقمت بدورك على أحسن وأكمل وجه، فالرجال الصادقون أمثالك لا يموتون .فطوبى لك يا عاشقا لدينك وبلدك ووطنك، وللغتك وتراثك وثقافتك، و تلاميذك، لقد كنت عظيما في حياتك واليوم ستبقى عظيماً بسيرتك بعد مماتك،

الحاج سالم بن بادة في ومضة تعريفية:

أصله ونسبه :

هو بن بادة الحاج سالم لأبيه الحاج قويدر إبن مسعود إبن سالم ولأمه هينانة الحاجة حدة من عرش أولاد علوش فرقة الثوامر. بقصر مدينة متليلي الشعانبة قلعة الثوار الأشاوس العريقة, سليل عائلة آل بن بادة لجده الحاج مسعود بن سالم مساعد القاضي الفقيه الشيخ محجوب عبد الرحمن المدعو سي دحمان.

مولده: من مواليد الفاتح 01 ماي 1947, ولد في حي حاضور الشهير (بواحات متليلي). وهو أكبر إخوته في تلك المنطقة. التي نشأ وترعرع فيها طوال حياته وقضى فيها ظهرة شباب عمره. ظل فيها إلى أخر حياته.

تعليمه القرآني:

تلقى الحاج سالم تعليمه القرآني بحي حاضور على يد فضيلة الشيخ بن الذيبة الطالب علي قذب المشايخ غصر زامنه, عميد معلمي القرآن الكريم بجنوب الجزائر. حيث يعتبر من أوائل معلمي القرآن في المنطقة والذي تخرج على يده العديد من حفاظ كتاب الله. نال قسط من التعليم القرآني وأنقطع عنه لتوجهه للعمل لإعائلة أسرته المتكونة من والدته رحمها الله وإخوته البنات الخمسة05 وأخوه الصغير, بسبب غياب والده وتغربه بالعاصمة للعمل وضمان لقمة العيش لعائلة.

تعليمه النظامي:

تلقى تعليمه العادي بالمدرسة النظامية على أيدي معلمين فرنسيين منهم الأستاذ قارسيا و زوجته و أستاذ سوري , رفقة بعد التلاميذ منهم على سبيل الذكر لا الحصر كل من طرباقو أحمد –يحي مسعود –رزمة الساسي –سلامات ميلود -سويلم نعيمي.

شهادته التعليمية:

تخصل الحاج سالم بن بادة على شهادة التعليم الإبتدائي سنة 1966 وشهادة الأهلية سنة 1970 وشهادة ث.ع,م, سنة 1970 وشهادة العليا سنة 1982.

مساره المهني التعليمي:

وظف الحاج سالم فجر الإستقلال في منصب معلم للغة الفرنسية سنة 1967 وهو شاب في مقتبل العمر إلبن العشرين20 سنة. بتزكية من معلميه وبعد مدة غادر تعليم اللغة الفرنسية وتوجه للغة العربية درس في عدة مدارس فكانت أول محطة له مدرسة إبن خلدون ومن ثم البشير الإبراهيمي بحي القمقمومة وبعد ذلك الشريف بكار بحي السواني التي كان له الشرف في تسميتها بهذا الأسم حيث يذكر أن الشريف بكار كان معاون لخاله الطالب علي بن الذيبة, ونظرا لذلك إقترح هذا الإسم وعرفت به منذ ذلك الحين. وجل المدراس كانت في متليلي ولكن وبعد هذه السنوات في التعليم الداخلي شاء القدر أن يعين مديرا بالمدرسة الجديدة بمدينة الحمامات المعدنية ببلدية زلفانة, إلا أنه لم يلبث فيها كثيرا ليعود للبلدة بعد مدة لإدارة مدرسة الشهيد المخطار سليمان بحي الثنية. حيث أحيل إلى التقاعد وهو مدير هذه المدرسة سنة 2007 وهو بذلك درس حوالي 40 سنة وأفنى حياته من أجل التربية والعلم.

تقاعده:

تقاعد الحاج سالم مع موسم (2005 / 2006 ) مع العلم أنه أكمل موسم سنة 2006 / 2007 متطوع.

عضويته ومهامه الجمعوية:

أنتخب عضو بالمجلس الشعبي البلدي لبلدية متليلي لعهدة سنة 1974-1975 حسب الأرشيف وشهادة رئيس البلدية السابق الأستاذ دحمان الحاج رمضان و زميل العمل التعليمي التربوي.

كما ترأس لجنة مسجد سيدي سليمان القديم بحي حاضور بمتليلي الشعانبة.

نضاله الحزبي :

إنخرط مناضلا في حزب جبهة التحرير الوطني يشهد له حسن السيرة والسلوك.

هوياته:

عرف عن الحاج سالم حي المطالعة والمعرفة في شتى مجالات التربية والتعليم ومختلف العلوم, بحيث أنشأ مكتبة متنوعة تضم خمسة ألاف 5000 كتاب لمختلف العنوانين منها أربعة ألاف 4.000 عنوان لأشهر الكتاب والمؤلفين العالميين عرب وأعاجم وغيرهم. أما المتبقية منها من لم يصمد لقدمه ومنها ما بقي عند تلامذته وأصدقائه كونه لا يدخر جهدا مهما كان صغيرا لنشر العلم و المعرفة مما يجعله يعير هذه الكتب لتلاميذه وكل من يقصده بغيت في نشر العلم والمعرفة. وليتسنى لهم الأخذ بالمعلومة القيمة وتدوينها عندهم وقد حازت المكتبة أصنافا من الكتب النفيسة متنوعة المناهل والمشارب نذكر من أهمها كتاب مقدمة ابن خلدون. ومقامات الجاحظ. وسلاسل غير يسيرة من كتب الروايات (طه حسين، جبران خليل جبران، مصطفى العقاد، ميخائيل نعيمة،…) روايات تاريخ الشعوب للمشرق ،، فضلا عن كتب الفقه والعلوم الإسلامية كإحياء علوم الدين والسيرة النبوية والتفاسير (ابن كثير والجلالين والخازن) و العلوم الإجتماعية وكتبا تعلمية للعديد من الأطوار ودواوين شعرية وكتب قيمة عديدة. كما لم تخلو مكتبته من المجلات المحلية وحتى الدولية. حيث كانت ترسل له عن طريق البريد ومن هنا يروي أولاده أنه كان له عدة صداقات مع أجانب من معلمين وغريهم فقد وجدوا فيه الصديق الوفي والكرم بسب إستظافته الدائمة لهم في وسط بيته المتواضع.

أداءه لفريضة الحج:

أدى الحاج سالم بن بادة فريضة الحج نسبة رفقة رفيقة دربه وسنده زوجته ( الحاجة م٫ع) سنة 2005.

شهادة وإعتراف:

كان الحاج سالم بشهادة الجميع من خيرت الأشخاص في تلك المنطقة الزاخرة بالعلم والأدب والوعي والوازع الديني. شهدوا له بالإستقامة والنزاهة والإخلاص والوفاء والصرامة والجدية في العمل، المثابرة والإستمرارية. حمل الأمانة بإخلاص وأعطى للحياة والناس جهده وخبرته وتجربته وحبه لهم. تمتع بخصال حميدة ومزايا عديدة, أبرزها صدق الإيمان وحسن الخلق والعشرة الطيبة. وطيبة القلب والتواضع الذي زاده إحتراما وتقديرا من الجميع ومحبة في قلوب الناس والمعلمين والمشرفين التربويين عامة والطلبة خاصة وكل من عرفه وألتقى به وعاصره وجالسه وأحتك به. قضى حياته في خدمة التربية والتعليم طيلة الأربعين 40 سنة لم يأخذ فيها يوم واحد عطلة ولا إجازة, ماعدا يوم واحد يوم وفاة والدته الحاجة حدة هينانة رحمة الله عليها.

وجدير بالذكر أنه من رجال الخفاء الذين ساهموا في تحرر المنقطة وزعزت الإحتلال في صغره, أنه مثال للمقاومة الفكرية التي شنت وهو لم يبلغ سن الرشد حوالي 13 أو 14 سنة, فقد كان مسبلا حيث يحكي عن نفسه أنه من قرأ الرسائل للمجاهدين بضع مرات وكذلك يحكي بعض من الذين تدارسوا أوقات الثورة مع المجاهد بن خليفة الملقب بالخنوس أنه ساعد في نقل الرسائل بغير علمه إلى المجاهدين. حيث كان يدس الأخير الرسائل داخل قميص الحاج سالم ( القلمونة) وذلك بعد مناداته بحكم الجيرة ويإمره بالتوجه إلى وجهة محددة ليقوم بإيصالها ولم يدرك ذلك إلا بعد الإستقلال والإلتقاء بهذا الأخير ليحكي له، وهذا مثال ودليل على هيبة هذا الرجل الفاضل من الذين أينما سألت عنه تجد ردا طيبا يليق بمقامه.

يقول الحاج دحمان رمضان رئيس مجلس بلدي سابق: أن الحاج سالم لم يترك مجالا له لي يتحدث فيه لأنه كان كفاءة بيداغوجيا، علميا، تربويا، وكان يعمل بإخلاص طوال سنوات عمله الطويلة. ويقول عنه زميله طاهر عبدالرحمن مدير سابق، إنه كان يعمل بتفاني وإخلاص وبصمت وأشار إلى فمه بيده يعني لا يتكلم بل يعمل بصمت. ويقول عنه المدير بيشي لخضر ان الحاج سالم كنا زملائه. ولكن كنا نتعلم منه العمل لأنه كان مربيا لنا بجديته وتفانيه واخلاصه في العمل وكان عندما يدكر الحاج بن بادة سالم كنا نلزم الصمت لجديته في العمل. ولقد ذكر صديقه عنيشل إبراهيم ان الفرنسي الذي كان يدرسه عندما أبصر فيه تفانيه في العمل والتدريس على حساب تكوين نفسه وتحصيل الشهادات حثه على أن لا يكون إهتمامه بتلاميذه على حساب نفسه.

أما بخصوص شهادة عاشور عاشور رئيس ديوان بلدية متليلي والمستشار الثقافي. ذكر أن الحاج سالم لم يترك مجالا إلا خاضه أجتماعي. خيري, سياسي .تربوي ولديني. ولقد جمع كل ذلك مع صلة الرحم التي كان يتحلى بها.

ولقد ذكر المدير الحالي سوفي عبد الحميد. أن الحاج سالم كان يحوز على مكتبة حوت ما يربو عن 5 ألاف عنوان متنوعة معظمها روايات وكتب نفيسة في شتى العلوم والمعارف والمشارب ومجلات متنوعة داخلية وخارجية بمختلف اللغات.

زيارات مؤازرة وفاء وتضامن:

خطي الحاج سالم بزملاء أخوة بن تلدهم أم له . بحيث هؤلاء الأصدقاء الثلاثة الذين ققوا أوفياء له ولم يفارقوه وكانوا يزورونه حتى وهو فاقد الذاكرة وأعينهم تذرف الدموع من شدة صدقهم ومحبتهم له رحمه الله.

الحاج زغيدي سي الحاج من عمداء التربية والتعليم والمجاهدين الأشاوس. معلم قديم بمدرسة إبن خلدون، كان يزوره من حين لآخر في وقت محدد بعد صلاة الفجر فأينما دق الباب بعد صلاة الصبح علم أنه سي الحاج زغيدي فيخرج إليه مسرعا ويجلس معه على عتبة باب المسكن لأنه لا يدخل مطلقا ويشرب معه كأس من الشاي وشيء قليل ولا يلبث الا 5 أو 7 دقائق وينصرف ، كما يزوره الحاج سالم من حين لآخر بمنزله بحي الحديقة.

أما الثاني فهو المدير بوزيد الحاج السيراج بن الشيخ وهو مدير متوسطة سابق والصديق الحميم وكان يزوره دوريا وأحيانا يجلب له اللحاف والثوب و يلبسهم إياهم وعيناه تذرفان دموع المحبة والرضا.

اما ثالثهما فهو المفتش المتقاعد الوقور لعور الحاج حيدة من مدينة سبسب وهو من أخلص أصدقاء الحاج سالم رحمة الله عليه وكان يزوره دوريا إلى آخر أيام حياته وعيناه دامعتان ويكثر الوصايا لأولاده متشبثا بعبارة حتى حفظوها منذ كان الحاج سالم في صحته أعطوني صاحبي إذا موش قادرين تقوموه.

كانت هاته وضمة تعريف للحاج سالم بن بادة الذي وفاته المنية بتاريخ 11 مارس 2025 ووري الثرى بمقبرة الرزيقي بمتليلي الشعانية في جو جنائزي مهيب رحمه الله.

عن الاعلامي بيشي عبدالحميد بن حمو وبن بادة إسماعيل عن عائلة الحاج سالم.

الأستاذ الحاج نورالدين أحمد بامون – ستراسبورغ فرنسا.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك