تأثير الكاميرا على البشر ..كيف يتعامل البشر مع التصوير

أحمد الحاج جود الخير


  • صنف حكيم ومثقف سوي يصادق الكاميرا ويظهر أمامها بكامل كرامته وهيبته ووقاره واتزانه وإن كان عاطلا عن العمل أو كادحا أو فقيرا معدما أو أميا ليجيب على أسئلة المراسلين بكل فصاحة وحصافة ونباهة محتفظا برباطة جأشه ،وبسرعة بديهته ، وبوطنيته من غير أن يثير أحقادا طائفية ولا قومية ولا عشائرية ،ومن دون أن يتلعثم،أو أن يهين نفسه وأهله ويذلهما على رؤوس الأشهاد ، بعيدا كل البعد عن الحركات البهلوانية البلهاء كتلك التي يأتي بها بعضهم أمام العدسات ليضحك بها الناس عليه وعلى رأيه وعلى كل من يدعمه ويؤيده ويسانده ويتعاطف معه من خلف الكواليس ومن أمامها كذلك .
  • وصنف ثان يعاني من فوبيا الكاميرا وبمجرد أن يقع بصره عليها فإنه يصاب بقشعريرة و بدوخة وغثيان ليغطي وجهه بسرعة البرق وبأي وسيلة كانت، أو أن يفر منها ومن حاملها فراره من الأسد الى لا وجهة ،والى لا مكان،ولو سألته لماذا كل هذا القلق والهلع لأجابك على الفور وعلى طريقة بعض الساسة العراقيين”والله ما أدري !!” .
  • وصنف ثالث يعاني من متلازمة الابتسامة البلهاء والضحك من غير سبب أمام عدسة الكاميرا ،فتراه وهو يبتسم للكاميرا ،أو يرفع علامات النصر بدون أية مناسبة وطنية طوال الوقت مع أن زميله أو قريبه أو صديقه يتحدث عن هزة أرضية مدمرة ، عن فيضان مهلك ، عن عاصفة رملية كاسحة ،عن وباء الكوليرا ، عن حمى قلاعية متوطنة قضت على قطعان كاملة من المواشي بما فيها مواشي الأخ – المبتسم – شخصيا ولو سألته لماذا تبتسم مع أن اللقاء الصحفي من ألفه الى يائه يتحدث عن المآسي والمشاكل الصحية والجائحات الوبائية وعن أكوام النفايات ونقص الخدمات وانقطاع الكهرباء وشح المياه الصالحة للشرب وطفح المجاري وعن الكوارث الطبيعية والسلاح المنفلت والمؤدلج والموازي والدكات العشائرية ، لأجاب وهو ما يزال مبتسما ووجهه الى الكاميرا وعلى الفور”لازم جنابك ما شايف فيلم احمد زكي – اضحك ،الصورة تطلع حلوة ؟!- ” .
  • أما الصنف الرابع الكئيب والمحبط فهو ذلك الصنف المهوال الذي وبمجرد أن يرى الكاميرا فإنه يتحول الى شحاذ ليشغل الاسطوانة المشروخة ذاتها ونصف إن لم يكن جل ما يدعيه ويزعمه مزيف ومفبرك” تقاعد ما عندي ..ضمان اجتماعي ماكو ..عندي ضغط وسكري وروماتيزم وقرحة معدية وصدفية … بيبتي تعاني من الزهايمر … جدي مصاب بالباركنسون ، أما أبوية فمات قبل 20 سنة، وأمي توفت بعده قبل 10 سنوات، جيراني مقعد ويعاني من الشلل الرباعي ، ابن عمي مصاب بالنكاف، ابن خالتي صارت بي حصبه، عمتي تعاني من الفالج ، خالتي هاجرت بقارب مطاطي للنمسا وما أعرف أخبارها، صديقي بي بواسير وناسور وفطر، أبو المولدة وأبو المخضر يطلبوني فلوس وما عندي أسددلهم، كل هذا وبنتي عميه، ومرتي بيها أبو صفار ،وأخوية الصغير رجله مكسورة، وابني مصاب بالتوحد وقد رجعنا للتو من الطبيب الاختصاص ويقول لازم عملية بـ 40 مليون دينار خارج العراق،وآني ما عندي فلوس الصمون …أدري وين الحكومة ، وين فريد الاطرش، وين اسماعيل ياسين ،وين ماري منيب ،وين فريد شوقي ؟ يمعودين الحكولنه ، تره ملينه ..تره تعبنه ..تره جزعنه ، تره راح أشك هدومي !!
    ولاشك بأن أتعس وأنحس صنف من بين الاصناف الأربعة هو الصنف الرابع ، المهوال المبالغ بالشكوى والبكاء لأن بعض هؤلاء وبعد البحث والتقصي عن أحواله سرعان تكتشف بأنه صاحب البناية أو المحل أو البضاعة الذي كان يبكي ويشتكي أمامها لعدسة الكاميرا، بل وستكتشف بأنه موظف أو متقاعد أيضا وليس كما يزعم بأنه”عاطل عن العمل وحتى ضمان اجتماعي ما عنده” ولأن ما يقوم به هؤلاء هو استجداء واستخذاء وكدية علنية وبما يغري بالمزيد من الفساد المالي والاداري والسياسي بدلا من كبح جماحها وكيفما تكونوا يولى عليكم ، لأن شحاذا رخيصا ومهوالا كهذا المخلوق لا يشكو حاله ،ولا ينبه عليه ،ولا يدعو الى تحسين الأوضاع لخدمة البلاد والعباد اطلاقا ، أو لرمي حجر في البركة الراكدة أملا بتحريكها ،بقدر محاولته الخائبة ومن خلال هذا السرد اللا منطقي المتتالي لجملة مآسي دفعة واحدة وكأنه – بالع مسجل – وهو الذي كان والى قبل دقائق معدودة من التصوير يضحك ويمزح ويشتم ويلعن بكل صلافة وعنجهية وبأعلى صوته ، وبما يؤشر الى أن استعراضه لمآسيه المفترضة وبهذه الطريقة السمجة الحمقاء متطرقا الى قصة حياته وحياة أقاربه وأصدقائه وجيرانه ومعارفه ماهي سوى محاولة لاستعطاف أصحاب القلوب الرقيقة وبعض رجال الاعمال والاثرياء اضافة الى بعض السياسيين – اللوكية – ليتصدقوا عليه – انتخابيا – فور مشاهدته من احدى القنوات على هذه الحال البائسة .
    علما بأن الموما اليه بشحمه ولحمه من قد أعاد انتخاب الفاسد والافسد والمفسد ولاسيما من مزدوجي الولاء والتبعية والجواز والجنسية وأمثالهم من الطائفيين في العراق في كل دورة انتخابية وعلى مدار 20 عاما ،واللي من ايده الله يزيده كما يقول المثل العامي، مضيفا ” الما يعرف تدابيره ،حنطته تأكل أبو أبو شعيره ” وعلى نفسها وأهلها وجيرانها جنت براقش …ولات حين مندم !

إرسال التعليق