كيف يفكر جنرالات إسرائيل ؟

نهاد ابو غوش

كثيرا ما تتردد في الأخبار والتقارير الصحفية والسياسية، وحتى في إعلانات المسؤولين السياسيين افسرائيليين وابرزهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انباء عن خلافات الحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش، تارة بشأن صفقة التبادل، وتارة بشأن أسلوب إدارة الحرب، والموقف من لجان التحقيق، والموقف من السؤال الأصعب وهو سؤال اليوم التالي لقطاع غزة، أي من الذي سيحكم قطاع غزة وهل ستعود إسرائيل لاحتلال القطاع بكل ما يترتب على ذلك من مسؤوليات خدمية تجاه أكثر من مليوني فلسطيني، والكلفة الأمنية والاقتصادية الباهظة لهكذا خيار. إذن موضوع الخلافات بين قيادة الجيش والحكومة ليس مجرد إشاعات وتسريبات صحفية، بل هي مادة دائمة في النقاش الإعلامي والسياسي في إسرائيل، ويتحول الأمر إلى مشاجرات دائمة في اجتماعات المجلس الأمني السياسي المصغر للحكومة(الكابينيت) بين وزراء اليمين المتطرف وخاصة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وايتامار بن جفير من جهة ، ووزير الدفاع يوآف جالانت ورئيس الأركان هرتسي هليفي من جهة أخرى.
أثار نتنياهو أزمة العلاقة مع الجيش بقوله الشهير “أن إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة”، وهي مقول تؤشر للمشكلة لكنها لا يمكن ان تختزل الحل، فالكل يعلم أن القرار في نهاية المطاف هو بيد الحكومة والجيش هو جهاز تنفيذي، ولكن الأمر لا يقف عند حدود هذه القاعدة فنحن نتحدث عن إسرائيل، المجتمع العسكري المدجج بالسلاح حتى أسنانه، والدولة التي لا تخرج من حرب حتى تدخل في أخرى، وحيث يلعب الجيش دورا مركزيا في كل شؤون الحياة السياسية والثقافية والتربوية، منه يتخرج القادة والسياسيون وحتى مدراء وقادة الشركات ورؤساء واعضاء البلديات والمؤسسات الأهلية ومراكز الدراسات وحتى الصحفيين والمحللين السياسيين، كما يلعب الجيش دورا مركزيا في صياغة هوية “الإسرائيلي الجديد”، الهوية التي فشلت بوتقة الصهر في إيجادها بصهر الهويات الفرعية وإنتاج هوية جديدة، فقام الجيش بدور بديل جزئيا كذلك.
يمكن القول أن الخلافات بين الجيش والحكومة سبقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وبالتحديد مع بدء حكومة ائتلاف اليمين واليمين المتطرف الديني والاستيطاني بما عرف بالانقلاب القضائي، عندنها رفع قادة الجيش عقيرتهم بالصراخ : هذا الانقلاب القضائي يهدد ضباط وجنود الجيش الإسرائيلي بملاحقتهم كمجرمي حرب، لن صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية تصبح فعالية في حال ضعف القضاء الخاص بالدولة وتهميشه واستلاب استقلاليته، وهو بالضبط ما فعلته الحكومة بتقليص صلاحياته المحكمة العليا، والتعدي على صلاحيات المستشارين القضائيين، ومهاجمة المحكمة العليا وقضاتها والتدخل في تعيينهم.
ومن المعروف كذلك أن إحدى أبرز معارك اليمين المتطرف، شأنه شأن أي نظام شعبوي أو فاشي، مهاجمة النخب، وتحريض الفئات المهمشة واللعب على غرائزها وتطرفها لحشدها وراء هذا الجنوح المتطرف للتغييرات كما لو أن مشكلاتها هي مع هذه النخب من حهة، ومع الفلسطينيين من جهة اخرى.
من الصعب على ضباط الجيش الإسرائيلي الإعراب عن مواقفهم وآرائهم عبر وسائل الإعلامن لكن البدائل متاحة وبوفرو من خلال ضباط الاحتياط الذين يحتلون المنابر والشاشات والمؤسسات، ويعبرون عما يجول في خواطر القيادات العسكرية الفعليةن كما ان القيادات العسكرية لا تعدم الوسائل في بث ملاحظاتها وشكاواها وملاحظاتها حتى السياسية التي تجد طريقها بسهولة إلى وسائل الإعلام .
لقد ساهم فشل إسرائيل الذريع في التنبؤ بعملية طوفان الأقصى، فضلا عن انهيار منظومات الدفاع والاستخبارات ووسائل الرقابة، ثم طول أمد الحرب التي تخوضها إسرائيلن والتحديات العملياتية التي يواجهها الشيء فضلا عن عدم واقعية الأهداف التي حددها نتنياهو لهذه الحرب في تاجيج الخلافات بين قيادة الجيش والحكومة، واتساع التباينات بين الفريقين حيث تعبر هذه التباينات عن نفسها في مواقف واضحة ومتكررة، المشكلة التي يواجهها نتنياهو أن ثمة شبه إجماع لدى قادة الجيش (هيئة الأركان) ومعهم وزير الدفاع جالانت، ويقف معهم ويساندهم في ملاحظاتهم الأجهزة الأمنية الرئيسية التي ترتبط برئاسة الوزراء مثل جهازي الشاباك والموساد، وجهاز الاستخبارات العسكرية ( أمان) المرتبط بالجيش. ومع بدء الحرب بدأ تقاذف الاتهامات حيث اعترف معظم القادة الرئيسيين للجيش والأجهزة الاستخبارية عن الإخفاق وأقروا بالفشل، بل إن عددا من رؤساء الأركان ووزراء الدفاع السابقين اعترفوا كذلك بمسؤوليتهم عن الفشلن والوحيد الذي رفض الاعتراف بمسؤوليته هو بنيامين نتنياهو على الرغم من كونه يشغل الموقع الأكثر أهمية في قيادة الدولة، ومعظم أصابع الاتهام تشير إلى مسؤولياته الكبرى، لكنه يخشى أن الاعتراف لو وقع، يعني مطالبته بالتنحي والاستقالة.

إذن بدأت الخلافات بين قيادة الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية وبخاصة رئيسها بنيامين نتنياهو بسبب رفض هذا الأخير الاعتراف بأي مسؤولية له تجاه الفشل والإخفاق في السابع من أوكتوبر. بدأت ملامح اتساع الخلافات تظهر مع إعلان الجيش الإسرائيلي نيته فتح تحقيق داخلي في الإخفاقات، وهو ما عارضه نتنياهو ومقربوه من أن ينطوي ذلك على محاولة من قبل الجيش للوم نتنياهو والحكومة، وتصدى أكثر من وزير من الائتلاف المتطرف لرئيس الأركان هرتسي هليفي ووقعت مشاجرات عديدة بين هذا وكل من الوزيرين ايتامار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش اللذين ادعيا بأن الجيش ينشغل في التحقيقات الداخلية بدل انشغاله في القتال، ورد الجيش أن لجنة تحقيق كهذه هي من صميم اختصاص المستويات المختلفة في الجيش لفحص أدائها وطريقة تعاطيها مع الأحداث.
تواصلت المشكلات خلال الحرب ومع إشكالية تحديد الأهداف من قبل نتنياهو الذي ظل يردد دون انقطاع – وما يزال- أن أهداف الحرب ثلاثة رئيسية وهي القضاء على حماس واستعادة الأسرى والمخطوفين، ووقف اي تهديد من قطاع غزة لإسرائيل، مع الوقت صار يتضح أن هذه الأهداف، وخاصة القضاء على حماس، غير واقعية وغير قابلة للقياس، وربما تحتاج إلى سنوات طويلة، وظهرت المقولة التي تؤكد أن حماس هي فكرة تعيش في قلوب الناس ووجدانها ويستحيل القضاء عليها، ولعل أول من قال ذلك هو رئيس الوزراء الأسبق ايهود بارك الذي شغل منصبي رئيس الأركان ووزير الدفاع ايضا، وتكرر القول على ألسنة كثير من السياسيين والمسؤولين بمن فيهم وزير الدفاع الأميركي لويد اوستنن اما الذي اثار اقتباسه للمقولة فهو الناطق باسم الجيش العميد دانيال هاغاري، الذي اضطر لاحقا لتعديل تصريحه، لكن المشكلات ظلت قائمة ومتكررة وعلنية بين قيادة الجيش والحكومة والتي يمكن إجمالها في النقاط التالية، علما بأن معظم هذه النقاط هي محل اتفاق بين قيادة الجيش وقيادات الأجهزة الأمنية:

  • الخلاف حول سؤال اليوم التالي حيث يمتنع نتنياهو عن اجراء اي نقاش او تقديم اي جواب حول مستقبل قطاع غزة.
  • الخلافات حول أولوية أهداف الحرب حيث يؤيد الجيش أولوية قضية استعادة الأسرى على حساب هدف القضاء على حماس.
  • تحذير وزير الدفاع جالانت والقادة العسكريون من عودة الحكم العسكري لقطاع غزة بكل ما يترتب على ذلك من أعباء سياسية وأمنية واقتصادية.
  • خلافات حول صلاحيات قيادة الجيش في القيام بالترقيات والتعيينات الروتينية، ولسان حال الحكومة يقول أن القيادة الفاشلة ستعين مسؤولين فاشلين.
  • مواصلة نتنياهو اتهام قيادات الجيش بالفشل والتراخي ومعاندة التوجهات الصارمة والحاسمة للحكومة.
  • الحديث الدائم من قيادة الجيش عن الحاجة لاتفاق ووقف مؤقت للحرب من أجل ترميم الجيش وانعاشه ومعالجة الثغرات البنيوية في تركيبته.
  • خشية قيادة الجيش من وقوعهم تحت طائلة الملاحقات القضائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب، واصرار الحكومة على زج الجيش بمجموعه والامتناع عن اتخذ التدابير والاجراءات القانونية التي تحمي قيادة الجيش.
  • استمرار الخلافات حول تحمل المسؤوليات، والميل الواضح لدى قوى اليمين الاسرائيلي المتطرف لتسييس الجيش بتعيين مقربين للقيادات السياسية بناء على ولاءاتهم وميولهم السياسية وليس بناء على المعايير المهنية والكفاءة العسكرية.
    بعد الجدل الذي أثاره تقرير صحيفة نيويورك تايمز حول استعداد قيادة الجيش للموافقة على صيغة تسمح باستعادة الأسرى حتى لو بثمن بقاء حكم حماس، والرد الحاد لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي وصف هذه المواقف بالانهزامية، ( نتنياهو وصف المصادر بالمجهولة وشكك في مصداقيتها مع ان اثنين من الصحفيين الثلاثة الذين أعدوا التقرير اسرائيليان وهما رونين برغمان وناتان ادونهايمر) يتولى المحلل العسكري قي يديعوت أحرونوت رون بن يشاي إيضاح الخلافات بين نتنياهو وقادة الجيش، وهي في رأيه:
  • موقف الجيش بالرغبة في إطلاق النار هو جزئي ومؤقت، ومرتبط بهدف استعادة الأسرى الذي يتقدم الآن على أي هدف آخر، وقيادة الجيش تؤيد هدف القضاء على حماس لكنها لا ترى أن تحقيق ذلك مشروط بالتلازم مع هدف استعادة الأسرى.
  • محاولة نتنياهو إلقاء المسؤولية الحصرية عن إخفاق 7 أوكتوبر على قادة الجيش والاستخبارات.
  • رفض نتنياهو البحث في إيجاد حكم بديل لحماس في قطاع غزة، فهو ليس مستعدا لإشراك السلطة الفلسطينية، ولا حتى لتفعيل خطة “الفقاعات/ الجزر” الإنسانية التي طرحها وزير الدفاع يوآف غالانت، وفي الحالتين بسبب خشيته من ردود فعل بعض وزرائه.
  • رفض نتنياهو توفير الإسناد للخطوات الإنسانية التي يتخذها الجيش والأجهزة الأمنية بشأن المساعدات وتوفير الطاقة، وحين يتخذ الجيش والأجهزة الأمنية خطوات كهذه يدعي نتنياهو عدم علمه.
    وينفي الكاتب وجود خلافات بين نتنياهو ووزير الدفاع وقيادات الجيش بشان الموقف على الجبهة الشمالية، أو بالنسبة لتوفر الذخائر المطلوبة، ولا حتى بالنسبة لدافعية الجنود وخاصة من قوات الاحتياط للقتال، ويدعي أنه قابل عددا من الضباط والمقاتلين وتبين له أن معدلات رفض الامتثال للخدمة العسكرية متدنية، وأن الروح القتالية عالية جدا، كما لا يوجد اي تخوف لدى الجنرالات من القتال على الجبهة الشمالية.

إرسال التعليق