الخدمات الإئتمانية المصرفية و النقدية للبنوك
احمد الابريهي علي
عندما يصنف نظام التمويل في الدول تبعا لأرجحية المصارف أو أسواق المال فالعراق ليس فقط مصرفي المرتكز بل تقريبا هي المصارف وحدها. سوق المال في العراق لتداول أسهم المصارف وقليل عداها. ولا زالت أدوات الدين المتداولة شبه غائبة. وأسواق الاجل والمستقبل مستبعدة تماما في المستقبل المنظور ومثلها أسواق الخيارات وبقية المشتقات. ومن غير المتوقع توجيه جهود منظمة وملموسة على هذا الطريق. ثم إن قطاع الأعمال، بسيط التنظيم بوحدات صغيرة الحجم، أساليبه في التمويل يناسبها المصرف. وأدوات الدين الحكومي محدودة في تنوعها وجاذبيتها.
تعتمد هذه الورقة بيانات منشورة من موقع البنك المركزي العراقي عن 73 مصرف، 6 منها حكومية و67 خاصة. والودائع والائتمان النقدي من وإلى ثلاثة قطاعات: الخاص، والحكومي المركزي، والمؤسسات العامة، المستقلة عن الموازنة. للتعرف على حجم النشاط المصرفي وعلاقته بتطور النقود والعملة الأجنبية. تصور مجمل وإشارات للمصارف الحكومية كل على حدة. لا نتناول المشكلات الإدارية لمصرف بعينه، أو مدى تمثل أي منها للقواعد التنظيمية، او مراكزها المالية. هي توطئة للنظر في إعادة تنظيمها.
وأركّز على الوظيفة الرئيسة للصيرفة الحكومية، وهي إدارة نقدية الموازنة، وإدارة فوائض مؤسسات القطاع العام المستقلة عنها. الصيرفة الحكومية أداة للمالية العامة في المقام الأول، هذه الوظيفة، المليئة بالمخاطر، محور اهتمام السلطات الواعية والمسؤولة في النظر إلى المصارف العامة والإشراف عليها؛ وثانيا تقديم الائتمان لأنشطة ضرورية لتنمية الاقتصاد تَعزِف عنها المصارف الخاصة، عادة؛ والإقراض العقاري وتسهيلات مناسبة لذوي الدخل المحدود، مساندة لسياسة المالية العامة من أجل العدالة التوزيعية على وجه الخصوص.
الودائع
ترتبط الودائع المصرفية بعوامل اقتصادية ونقدية، فمثلما تتناسب النقود مع الدخل القومي فالودائع لغير الحكومة جزء من النقود، أما ودائع الحكومة فهي بمضمون الأمانات لدى الجهاز المصرفي، أرصدة نقدية تتحرك بصلة وثيقة مع الموازنة العامة إيرادا وإنفاقا بشكلها النقدي Cash. الخزانة بمفهومها المعاصر هي شبكة الحسابات المصرفية للمالية العامة. التي تمتد من نظام الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، إلى البنك المركزي العراقي ثم المصارف الحكومية التي تتعامل مع وحدات جباية الإيرادات ووحدات الإنفاق ثم الطرف الأخير في نظام المالية العامة، المجهز والمقاول ودافع الضريبة… وهكذا. فلم تعد الخزانة كما كانت في الزمن القديم غرفة حصينة وعلى أبوابها حرس ثقاة يوضع فيها المعدن الثمين. المصارف خزانة هذا الزمن. هذه الحقيقة البسيطة لا تحضر في وعي دوائر القرار بالأهمية التي تستحقها.
نعود إلى هذه المسألة فيما بعد. نهاية آب 2022 بلغ مجموع الودائع في المصارف الخاصة والعامة 109.4 ترليون دينار؛ من القطاع الخاص 49.2؛ ومن الحكومة المركزية 32.1؛ ومن المؤسسات العامة 28.2 ترليون دينار. أما نهاية عام 2021 فقد كانت الودائع بمجموعها 96.1 ترليون دينار؛ في المصارف الخاصة 12.5؛ وفي المصارف الحكومية 83.6 ترليون دينار.
النقود بالمعنى الضيق العملة في التداول مضافا إليها الودائع الجارية، والنقود بالتعريف الواسع، العملة في التداول ومعها كل الودائع. النقود مطلوبات على الجهاز المصرفي، وبدون مبادئ المحاسبة يتعذر فهم النقود، كما هي، أنظر في الميزانيات العمومية للجهاز المصرفي تجد: العملة المصدرة في جانب المطلوبات للبنك المركزي فهي دين عليه؛ والودائع في جانب المطلوبات من الميزانية الموحدة للمصارف فهي دين عليها. العملة المصدرة من البنك المركزي تحتفظ المصارف بجزء منها، والباقي لدى الجمهور هذا الذي لدى الجمهور مطلوبات على الجهاز المصرفي أما العملة التي تحتفظ بها المصارف فهي في جانب الموجودات من الميزانية الموحدة للمصارف وفي نفس الوقت في جانب المطلوبات من ميزانية البنك المركزي. فعندما توحد ميزانية البنك المركزي والمصارف يختفي هذا الجزء من العملة المصدرة، وتبقى العملة في التداول. فالعملة المصدرة التي تحتفظ بها المصارف ليست جزءا من النقود بل هي جزء من احتياطيات المصارف والمتمم لها ودائع المصارف لدى البنك المركزي.
شرحنا لماذا العملة في التداول جزء من النقود وليست كل العملة المصدرة، والجزء الآخر من النقود الودائع في المصارف.. وذكرنا مفهوم احتياطيات المصارف، ونعيد تعريفها دفعا للالتباس، هي العملة التي تحتفظ بها المصارف زائدا ودائعها لدى البنك المركزي. هذه الاحتياطيات منها إلزامي ومنها فائض، احتياطيات حرة، ليست كل احتياطيات المصارف إلزامية. نأتي إلى مفهوم آخر هو الأساس النقدي Monetary Base، هو احتياطيات المصارف زائدا العملة في التداول، لاحظ العملة في التداول مشتركة بين النقود والأساس النقدي. يمكن تعريف الأساس النقدي بمكافئه أي العملة المصدرة زائدا ودائع المصارف لدى البنك المركزي. التعريف المكافئ واضح بذاته لأن العملة المصدرة هي العملة في التداول زائدا الجزء الذي تحتفظ به المصارف، وبما أن هذا الجزء وودائع المصارف في البنك المركزي يؤلف احتياطاتها أصبح التعريف المكافئ واضحا.
ثمة التباس مؤسف بين الأساس النقدي والاحتياطيات الدولية للبنك المركزي. لأن للأساس النقدي تسمية أخرى هي النقود الاحتياطية Reserve Money وتُرجِمت خطأ إلى الاحتياطي النقدي. وللتخلص من هذا اللغز نذكر أن الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي والتي تسمى الاحتياطيات الرسمية هي أصول للبنك المركزي، بينما النقود الاحتياطية مطلوبات عليه. هذا هو معنى أن النقود لا تفهم كما هي إلا باستحضار مبادئ المحاسبة.
في الميزانية العمومية للبنك المركزي تجد في جانب الأصول، الموجودات: ذهب، حقوق السحب الخاصة ومطلوبات أخرى للبنك المركزي على صندوق النقد الدولي ثم أوراق مالية بعملات أجنبية مثل سندات وحوالات… وودائع في بنوك مركزية أو مصارف أجنبية وبعد ذلك عملة اجنبية في خزائن البنك المركزي هذه بمجموعها مطروحا منها ديون الجهات الأجنبية على البنك المركزي هي الاحتياطيات التي تسمى دولية ورسمية. بماذا تختلف عن احتياطيات العملة الأجنبية بالذهب وفقرات الصندوق فهذه ليست أجنبية، وبما ان الدولية شاملة للأجنبية فتسمى دولية. ولكن إن قلت احتياطيات البنك المركزي، أو الاحتياطيات الدولية أو حتى احتياطيات العملة الأجنبية لا بأس المهم الحذر من الالتباس بين المفاهيم.
وثمة اشتباه آخر، محير، وهو الخلط بين احتياطيات رأس المال واحتياطيات المصارف. احتياطيات المصارف في جانب الموجودات من ميزانيتها بينما احتياطيات رأس المال جزء من استحقاق الملكية ويكون في جانب المطلوبات هو رأس مال من تراكم الأرباح المحتجزة. ومرة أخرى الذي يريد أن يفهم النقود كما هي أن يتذكر مبادئ المحاسبة. بقي أن نذكر أن صافي الموجودات الدولية للبنك المركزي زائدا صافي الائتمان المحلي، الذي يقدمه البنك المركزي للحكومة والمصارف، هو أيضا تعريف للأساس النقدي بمعنى المكافئ من جانب الموجودات. صافي الموجودات الدولية للبنك المركزي جزء من الأساس النقدي، وتغير صافي الموجودات سلبا أو إيجابا خلاصة النتيجة لميزان المدفوعات الشامل. وهذ هو المربط الذي يعتمده المنهج النقدي لميزان المدفوعات.
الآن صار واضحا أن الودائع عنصر في شبكة اقتصادية ونقدية معقدة، أو على الأقل لماذا متوسط الودائع المصرفية للفرد في العراق هذا المقدار وفي السويد أو السودان كذا، تستطيع تفسير الجزء الأكبر من الاختلاف من سياق هذه الشبكة. لكن ثمة عوامل أخرى لماذا مثلا أكثر من نصف النقود عملة في العراق بينما هذه 10% في الولايات المتحدة ودون 4% في بريطانيا، هذه تتصل بطائفة أخرى من العوامل أو تنبثق عن الكل نتيجة لمسار التطور. إذن عندما نفهم بأن الائتمان يمول من الودائع والودائع جزء من النقود تعرفنا على السقف.
في الصحيح ودائع الحكومة ليست قابلة للإقراض، فهي أصلا كانت في البنوك المركزية وهذه لا تقدم قروضا للقطاع الخاص. ولا زالت تدار في البنوك المركزية لبعض الدول ومنها متقدمة مثل فرنسا، عدا أموال التأمينات الاجتماعية؛ وفي بريطانيا عام 2008 اتفق البنك المركزي البريطاني، بنك إنكلترا، مع الحكومة على إدارتها مع أقسام تختص بها في مصرفين، وفي نيوزيلاندا في مصرف واحد… وهكذا. لكن عندما قررت الحكومات والبنوك المركزية إدارة جزء من نقدية المالية العامة في المصارف استحدث ما يسمى حساب الخزانة الموحد في البنك المركزي Treasury Single Account (TSA) حيث تجري نهاية يوم العمل تسوية الأرصدة المفتوحة في المصارف مع هذا الحساب المركزي. وفي أحدى الدول ثلاث مرات في اليوم؛ وفي دولة أخرى يفتح هذا الحساب ثم يغلق على قدر الصفقة. في العراق عندما انتقلت نقدية الموازنة إلى مصرف الرافدين بصفته ذراعا للبنك المركزي، حيث للرافدين فروع تنتشر في كل العراق، حينها، والبنك المركزي ليس لديه هذا التفرع ولا يريده آنذاك.
القصد من هذا أن ودائع المالية العامة في المصارف الحكومية جزء من النظام المالي، ولا توجد سلطة تخصخص نظامها المالي. بينما يتحدث البعض من ذوي الكلمة المؤثرة عن خصخصة المصارف الحكومية دون الالتفات إلى هذه المسائل الجوهرية ولا حتى إشارة. وفي مثل ظروف العراق الخوف واجب من هذه المبادرات المشؤومة، والتي تكاثرت في السنوات الأخيرة.
نلتفت إلى أن الودائع لا يمكن التحكم بها بل هي نتاج نمط سلوك أفراد الناس ووحدات الأعمال وتفضيلاتهم بين العملة والوديعة وهذه أين يضعها. الودائع من القطاع الخاص 49.2 ترليون دينار إستقطبت المصارف الخاصة 12.5 ترليون منها فقط، والباقي في المصارف العامة. فحتى هذه الناحية يلتفت إليها، أيضا، المصارف الحكومية تنافس المصارف الخاصة في الائتمان، و سنأتي إليها وتحتاج فعلا وقفة جادة. لكن الودائع تحكمها عند الناس إعتبارات أخرى. للنظر في النقود وكيف ان الودائع لازالت محدودة نلاحظ النقود بالتعريف الواسع 154 ترليون دينار نهاية آب 2022 منها عملة في التداول 76.4 تقريبا؛ والودائع ضمن النقود 77.5 ترليون دينار.
إذا إستبعدنا ودائع الحكومة، لما بيناه آنفا، تبقى الودائع ضمن النقود هي سقف الائتمان لأن المصارف، بالمعنى الدقيق، تُعرّف بأنها شركات إيداع. ولذلك سوف يتضح أن الائتمان في العراق لا يجوز أن يبقى حبيس الودائع، بل لا بد من الإقراض اعتمادا على رؤوس أموال.



إرسال التعليق